أسواق خاصة  لتزوير الوثائق السورية في أورفا

-خاصة-لتزوير-الوثائق-السورية.jpg

سيرين عبد النور  – عنب بلدي

“في أوقات الفوضى والأزمات تنتشر الجريمة ويشيع الفساد، إذ لا رقيب يحاسب ولا رادع يُوقف، هنا وحدها الحاجات تعبر عن نفسها”.

“ربما هي بقية علاقة مع وطن، وإن كانت مزورة فالحاجة هي من تصنع الشرعية”.

على إحدى ضفتي شارع الهاشمية في مدينة أورفا التركية، على مقربة من الحدود مع سوريا، تنتشر مكاتب المعاملات الخاصة بالسوريين، التي تسهل الحصول على أوراق رسمية (يفترض أن تصدر عن جهات مختصة)، دخلنا أحد هذه المكاتب وحصلنا على عدد من الأوراق، بينها إخراج قيد وجواز سفر وصك زواج وهمي مع توقيع الأطراف والشهود، وكل ذلك خلال أقل من ساعة .

محمد، أحد العاملين في “مهنة التزوير” أو تسيير المعاملات كما يطلق عليها، أوضح أن هذه المكاتب تعمل بعلم السلطات التركية، مشيرًا إلى أن معظمها يقع مقابل مبنى بلدية أورفا، واضعين إعلانات تحت مسمى “مكاتب لتسيير معاملات السوريين والحصول على وثائق رسمية”، إعلان ربما أصبح الواجهة الرسمية لمن يقومون بتزويير الأوراق السورية في تركيا .

مهنة مستقلة

انتشر هذا النوع من المكاتب في أرجاء تركيا، وهناك فروع وسماسرة لها في دول أخرى، كما أنها تضع إعلانات ورقية في الطرق وتعرض خدماتها عبر صفحات في مواقع التواصل الإجتماعي.

تختلف متطلبات المهاجر إلى أوروبا عن المقيم في تركيا، إذ يركز الأخير على الأوراق الثبوتية وشهادات السواقة وشهادات الكليات التي تعتبر ضرورية للعمل في المنظمات أو للسفر، بحسب شعبان، وهو شاب من مدينة دير الزور ومقيم في أورفا.

واعتبر الشاب الذي يصف نفسه بـ “التائه السوري والمعدوم الشخصية”، أن كل إنسان يحتاج لبعض الوثائق المزورة، “فقدت جميع أوراقي الثبوتية حين احترق منزلي في حي الرشدية داخل ديرالزور، فكان لابد له من الحصول على أوراق تثبت شخصيتي وتساعدني أمام السلطات التركية في الحصول على بطاقة الكيمليك”.

لا ينكر الشاب الديري أنه غيّر في بعض أوراقه وتلاعب بشيء من معلوماته الشخصية وحصل على بعض الشهادات الدراسية التي أمّنت له عملًا مؤقتًا في إحدى المنظمات، مبررًا ذلك بالقول “الحاجة تبرر الوسيلة يا صديقي”، ويعمل اليوم سمسارًا لـ “المزورين” في أحد مقاهي أورفا ويتقاضي نسبة معينة على كل زبون بحسب الأوراق المطلوبة وقيمتها.

وأطلعنا شعبان على بعض أسعار الوثائق المزورة، “شهادة الجامعة الكرتونية تكلف 250 ليرة تركية، بينما تكلف المصدقة الورقية 150، وكشف العلامات 100 ليرة”، أسعار يقول إنها الأرخص في سوريا وتركيا، موضحًا أن “سوق التزوير” يشهد تنافسًا في الأسعار كباقي لأسواق كما أنها تشهد عروضًا وخصومات بحسب الزبائن .

حسن، مدير أحد المكاتب في أورفا، يعتبر نفسه “ذا خبرة بالأوراق القانونية ودقتها” نظرًا لعمله محاميًا مدة 10 أعوام في حلب، ورفض كل الكلام الذي أورده شعبان وكشف لـعنب بلدي عن تعامله مع شبكة من موظفي النظام الذين يؤمّنون له الأوراق الرسمية الفارغة ليتم تعبئتها بالبيانات وختمها، وأضاف “تم شراء الأختام من بعض الدوائر الرسمية في مناطق النظام أو من بعض الأشخاص الذين استولوا عليها من الدوائر والمؤسسات الرسمية، ما يبرر غلاء أسعارها بالنسبة لبقية المكاتب”.

ولفت المحامي إلى أن إخراج القيد “المضمون” يكلف 50 ليرة تركية، مقابل 100 ليرة لكل من دفتر العائلة وخدمة العلم،  أما تكلفة وثيقة الزواج فهي 150 ليرة، ليتصدر جواز السفر قائمة الوثائق الأكثر كلفة بـ 400 دولار أمريكي أي ما يعادل 1150 ليرة تركية بسعر الصرف الحالي.

جميع من يعملون في مثل هذه المكاتب أكدوا أنهم قادرون على تزوير أي وثيقة سورية بما فيها الصادرة عن الائتلاف المعارض على حد تعبير معمر، أحد العاملين في المهنة ذاتها، وأضاف “وثائق الائتلاف وشهاداته الدراسية هي الأسهل في التزوير، فنحن نستخرجها من موظفيه أنفسهم”، كلام أكده مؤيد، وهو موظف سابق في أحد مكاتب الحكومة المؤقتة، لكنه أوضح أن الطلبات الأعلى هي على وثائق النظام كونها لا تزال الأكثر اعتمادًا بين الدول وتداولًا بين الناس .

الحاجة والمصلحة

عيسى، وهو الآخر يعمل في “مهنة التزوير”، رأى أن سوريين من مختلف المناطق يعملون في هذه “المصلحة”، التي باتت تستوعب جزءًا من العمالة السورية في بلدان الهجرة وليس فقط في تركيا، ورفض اعتباره شخصًا خارجًا عن القانون نظرًا للظروف التي دعته للعمل بها، حيث كان مدرس لغة عربية في دير الزور قبل نزوحه منها.

الحاجة للمال دعت عيسى لنسخ شهادته الجامعية وتزوير عددٍ من الأوراق وبيعها للمضطرين لمثلها، وأضاف “هي في النهاية مصلحة مشتركة وتوافق حاجات، أنا أحتاج المال وغيري يحتاج الوثائق ومن هنا تتكامل الحاجات”، توافق غير صحي لكن الواقع يفرضه بحسب رنيم، التي تعمل  في إحدى منظمات المجتمع المدني السوري، وأوضحت من خلال عملها مع اللاجئين حاجة معظم السوريين إلى وثائق تعذر وصولهم إليها “ربما هي بقية علاقة مع وطن، وإن كانت مزورة فالحاجة هي من تصنع الشرعية”.

رأي مغاير

معظم الذين استطلعنا آراءهم أكدوا أن هذه الأوراق لا تعود بالضرر على أحد، كونها وثائق مهاجرة وبعيدة عن سوريا، غرضها مساعدة الناس، “معظم رواد هذه المكاتب أشخاص محطمون، يرغبون بصناعة مستقبل أفضل في مكان آخر”، كما وصف أحد زبائن المكاتب .

فيما رأى ناشطون أن المكاتب، رغم منفعتها الجزئية لبعض الأشخاص، إلا أنها تؤثر سلبًا على قيمة الوثائق السورية وأهميتها، كما أنها منحت الجنسية السورية للعديد من الجنسيات الأخرى، حيث يقبل الجميع عليها كون السوريين يُمنحون تسهيلات في بلدان المهجر، ومعظم زبائنها المهاجرين غير الشرعيين من لبنان وفلسطين وأفغانستان والعراق وباكستان.

فضلًا عن خدمة هذه الوثائق للعديد من الشبكات المتطرفة والمجرمين الفارين الذين استغلوا تزوير الوثائق لخدمة أهدافهم في تحقيق تنقل آمن بين الدول، والحصول على وثائق جديدة تساعدهم في تنفيذ مخططاتهم، وذلك سينعكس سلبًا على السوريين سواء كانوا لاجئين أو مقيمين.

تابعنا على تويتر


Top