البحث عن زمن السواء

جريدة عنب بلدي – العدد 46 – الأحد – 6-1-2013

39

د. إحسان الحسين

إذا ما طرحنا شعار الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية، فمن أين سنبدأ؟

في حالتنا السورية لا بد لنا من أن نبدأ من هنا، وعندما نقول سوريا فإنما نعني الدولة والشعب والأرض. والسؤال المطروح:

ممَ يتألف هذا الشعب؟

إنه مزيج من:

1. الحركات الإسلامية: (الحزبيون والجهاديون والسلفيون والمسلمون الذين ينتسبون إلى دعوات المساجد والمعاهد الشرعية)

2. العلمانيون واليساريون والليبراليون

3. الطوائف والإثنيات والأعراق

4. المسلمون بشرائحهم الثلاث الظالم لنفسه والمقتصد والسابق في الخيرات

5. مراكز النفوذ في المجتمع :

• علماء الشريعة الإسلامية

• المفكرون – الإعلاميون – الفنانون – الرياضيون

6. التجار والصناعيون وأصحاب البنوك ورأس المال وأهل الإستثمار.

والسؤال المطروح:

كيف سيتم التعامل مع الجميع؟

من الواضح أنه لا يوجد إجماع إسلامي – إسلامي أو توافق إسلامي – غير إسلامي حول كيفية إدارة المجتمع والسلطة والثورة. فنحن كإسلاميين، سنكون أمام تحديات :

• تحديات على المستوى النفسي:

– سيكون هناك ولأول مرة بعد انقطاع طويل جدًا ممارسةٌ للعمل السياسي

– سنعاني من بعض الصعوبات في التحول من ثقافة المحنة إلى ثقافة المنحة

– البحث عن كيفية الخروج من حالة الجماعة إلى فضاء المجتمع

• تحديات داخل البيت المسلم. فمن الجماعات الإسلامية من يؤمن بالعمل الديمقراطي، ومنها من يرفضه ويتمسك بنموذج السلف الصالح ويسعى للوصول إلى ذلك بالتربية أو بالعنف:

– هل نبدأ بالسياسة أم نبدأ بالوعي والمجتمع أم نجمع بين الإثنين

– كيف سنواجه مشكلة الوعي (التخلف، الجهل، الأمية، التفكير البدعي ،التفكير التكفيري، التغريب)

– كيف ستتم مقاربة المؤسسات الفكرية والثقافية والفنية التي تنتج المعصية أو تنشر أفكارًا مخالفة للإسلام

– كيف نتعامل مع الشريعة على مستوى الثابت منها (الحدود) وعلى مستوى المتغير منها المستند إلى القواعد الفرعية والاجتهاد

– كيف سنتعامل مع الواقع والعرف بشروطه الموضوعية المتمثلة بالحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ينبغي توفرها عند الحديث عن إمكانية تطبيق الشريعة، ومايجب في هذا الواقع شرعًا

– هل سنلتزم بسنة التدرج؟

– هل سنلتزم بمبدأ درء الحدود بالشبهات وتأجيل تنفيذها إلى حين استكمال شروطها الموضوعية ؟

• تحديات التنمية المتمثلة في إعادة الإعمار وإنشاء البنية التحتية وإيجاد المؤسسات التعليمية ومراكز البحث العلمي وتأمين الصحة والغذاء والأمن

• تحديات على مستوى الإقليمي

• تحديات على المستوى الدولي

إن طرح الشعارات الكبرى في هذه المرحلة، مرحلة التحرير، سوف يخلق حالة من الإرباك والاشتباك الإسلامي – الإسلامي أو الإسلامي مع الآخر، كما سينعكس سلبًا على الثورة من خلال:

1. صراع داخلي وإمكانية تحوله إلى حرب أهلية. لأن التجارب تثبت أن المجموعات السكانية في حالات الأزمات وعند غياب سلطة الدولة ترتد غريزيًا إلى الحماية التي تقدمها الطائفة أو العشيرة

2. طول أمد الثورة وما سيترك من سلبيات كثيرة

3. انعدام المشروعية الأخلاقية للثورة لأن المشروعية تأتي من الحالة المناقضة للنظام التي تتقدم بها الثورة كبديل شرعي.

لذلك لا بد من التوافق على المشترك في هذه المرحلة والعمل عليه حصرًا، والمتمثل في استمرار الثورة والدعم الإغاثي، وتمكين الشعب السوري من طرح خياراته بنفسه دون وصايةٍ من أحد. كما أنه من المفروض أن نفرّق بين الأطروحات النهائية وذات الصبغة الحضارية المتمثلة في الخلافة والدولة الإسلامية الكاملة، والتي تشكّل أمنية لكل مسلم غيور، وبين الهدف المرحلي الذي يتمثل في نجاح الدولة القُطرية كخطوة مرحلية تؤسس للبناء عليها.

لا بد من أن نبحث عن زمن بعد نجاح الثورة نسميه «زمن السواء»، تتحاور فيه الجماعات الإسلامية بهدوء للوصول إلى تفاهم حول برامجها المختلفة، ولإعطاء زمن آمنٍ للجميع يقترب فيه المواطنون من بعضهم ويستكشف كل منهم مزايا الآخر. وبما أن المجتمع الإسلامي الحالي يتسم بالسيولة بين مستحقات الفترة المكية فترة الدعوة، ومستحقات الفترة المدنية فترة الدولة والدعوة، وإن كنا أقرب إلى حالة الدعوة منها إلى حالة الدولة، ينبغي لنا أن نستجلي العناصر التي قامت عليها حركة المسلمين في الحالتين :

1. القبول بالآخر

2. التمايز عن الآخر

3. السمو الأخلاقي

4. القبول والاستفادة من الأنظمة التي كانت سائدة في المجتمع وتوظيفها لصالح الدعوة (الموقف من حلف الفضول، قانون الذمة والجوار، حماية القبيلة) مما يطرح مشروعية توظيف الديمقراطية

5. الاستفادة من وثيقة المدينة التي أسست لحياة المواطنة، والعهود والمواثيق التي كان يقدمها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب الديانات المختلفة، كوثيقته لوفد نجران وكذلك حقوق أهل الذمة والاستفادة من تجربة صلح الحديبية

6. حصر العمل المسلّح في نطاق الدولة والقانون.

هذا الزمن يؤسس لمرحلة السلم الأهلي بعد فترة طويلة من العسف والاستبداد، ومن القتل والدمار الذي لحق بالشعب السوري منذ سنتين، فترة تتسم بالسلام الاجتماعي والحوار والاجتهاد الديني والسياسي وإعادة إعمار البنية التحتية وإقلاع الدورة الاقتصادية .

عندما نمارس نحن المسلمين السياسة بأخلاق إسلامية سوف يسمي الآخرون المسلم بالأمين، وسوف يستدعونه لحلّ مشاكلهم، وسوف يأمنونه على أملاكهم وأعراضهم بالرغم من اختلافهم معه، عندها سنعلم أنما نكسبه بالسلم هو أكثر بكثير مما ندعي أننا نكسبه بالحرب.

في السنة السادسة للهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة ومعه ١٤٠ صحابيًا، ورفض المشركون السماح له بدخول مكة ووضعوا شروطًا قاسية في الشكل والمضمون، عدّها الصحابة تنازلًا لا مبرر له، فانزعج فريق منهم لذلك وتبرّم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أصرّ على كتابتها وسريانها. يقول ابن شهاب الدين الزهري معلقًا: فلما كانت الهدنة، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقى المتعارضون بالحديث والمنازعة، فلم يكن أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، وقد دخل في الإسلام أكثر مما كان فيه.

لقد سمى القرآن الكريم هذه المعاهدة فتحًا وأنزل الله تعالى بمناسبتها سورة الفتح، ويكفي أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة بعد عامين بـ ١٠ آلاف من الصحابة، وسمّى عليه الصلاة والسلام يومَ فتح مكة «يومَ المرحمة»، وخاطب فيه الناس جميعًا أن اذهبوا فأنتم الطلقاء. وحين خطب في حجة الوداع كان حوله ما يقارب الـ ١٠٠ ألف من الصحابة.

سُئل أحد الحكماء قديمًا، إذا قدر لك أن تكون رئيسًا للدولة ماذا تصنع أولًا قال: «أعلّم الناس كيف يتكلمون». ويُذكَر أن أحدهم اعترض على أردوغان لأنه ترك الشعارات الكبرى والتفت إلى بناء الدولة والتنمية، فأجاب قائلًا: «إنني لم أتغير ولكني تطورت» .

نحن كمسلمين لن نحيد عن أهدافنا الكبرى، ولكننا من دافع الحرص على نجاح التجربة الإسلامية وإحاطتها بكل شروط الأمان، نسعى في باب الاجتهاد ضمن مساحة المباح لتحقيق ذلك، والله الموفّق.

تابعنا على تويتر


Top