التاريخ يعيد نفسه في حرب سوريا غير المقدسة

12312475_899629456759557_249911351_n.jpg

كتب فيليب ستيفنز في الفاينانشال تايمز

كما في القرن السابع عشر في أوروبا، فإن تورط القوة الخارجية هو من أبقى نيران الحرب مشتعلة.

يذكرنا الشرق الأوسط أنه لا يوجد شيء غير مقدس كما الحرب المقدسة، وقد تعملت أوروبا هذا في القرن السابع عشر؛ فالمنافسة بين الطائفتين الكاثوليكية والبروتستانتية ساهمت في اشتعال حرب الثلاثين عامًا مع القوة الرئيسية في القارة الأوروبية.

ورغم الدموية التي لم تشهد القارة مثلها، فالحرب انتهت بانتصار الدولة على العقائد، إذ انتهت أعظم حروب أوروبا الدينية وتم الاتفاق على السلام في وستفاليا في 1648، وهذا يجب أن يخبرنا شيئًا عن سوريا.

حروب باسم الله

الذبح بالجملة في الحرب لم يكن لنتخيله عام 1618 عندما قامت البوهيميا البروتستانتية ضد الامبراطورية الرومانية الكاثوليكية المقدسة، وتلتها حروب في هابسبرغ، إسبانيا، النمسا، فرنسا، هولندا، السويد، بولندا، الدانمارك والإمارات الألمانية، بينما طالبت بريطانيا وسكوتلندا والامبراطورية العثمانية وروسيا بمكاسبهم في الحرب.

كان معظم القتال على الأرض الألمانية ولكن المعارك دارت بين جيوش مؤلفة من مرتزقة أجانب. وكما يليق بالحروب التي تشن باسم الله، انتشرت الوحشية والقسوة، فتقلص عدد السكان في ألمانيا للثلث أو أقل، التعذيب والحرق بالجملة صار ضربًا من الاعتياد.

الواقع الأوروبي في سوريا

فلنقل أن الكاثوليك والبروتستانت كما الشيعة والسنة، مع أنني متأكد من مئات الفروقات بين الأهوال التي عاشتها أوروبا والنيران التي تأكل سوريا. مع ذلك، هناك تشابه غير مريح بين الاثنين مثل الوحشية التي تتشابك بين ما هو روحي وما هو أرضي، وعثر حظ قطعة من الأرض مثل سوريا كما كانت ألمانيا في حروب أوروبا وكلتاهما أصبحتا أرض معارك للقوة الخارجية.

بدأت حرب الثلاثين سنة عندما فرض أمراء بوهيميا البروتستانتين استقلالهم في ألمانيا على الامبراطورية الرومانية الكاثوليكية، وأيضًا بسبب خوف الفرنسيين من حصار الهابسبورغ في إسبانيا والنمسا وكفاح الهولنديين للاستقلال عن إسبانيا ودعوة السويد لفرض نفسها وانكساف بولندا وآخر محاولة من الدانمارك لتكون قوة كبيرة، في الوقت ذاته ادعت عدة دول أخرى أن لها مصالح قومية في نتائج الحرب.

في بعض الأحيان، تم تحييد الولاءات الطائفية من أجل مطامح علمانية، فانضمت فرنسا الكاثوليكية للسويد البروتستانتية ضد رفاق الدين في إسبانيا والنمسا، كما تجد إيران الشيعية باصطفافها إلى جانب حماس السنية.

بعد نهاية الحرب شكّل توازن جيو – استراتيجي جديد، فقد خرجت فرنسا منتصرة وخسرت الامبراطورية الرومانية المقدسة، وأصبحت اتفاقية وستفاليا للسلام أساس الدولة الأوروبية الحديثة.

وإذا كان هناك شيء مشترك بين كل الاتفاقيات التي وقعت لتحل النزاع على الأرض، فإنه لا يجب على الاختيارات الطائفية للدول أن تكون سببًا مباشرًا للحرب بعد الآن.

ماذا عن الشرق؟

الشرق الأوسط القابع اليوم في مزيج من المنافسات العقائدية والنفوذ على الأرض سيتطلب الكثير للتوصل إلى تفاهم بين القوة المتصارعة.

يمكن أن ننظر للقتال في سوريا بأنه بسبب انتفاضة أغلبية السنة على العلويين أو نظام بشار الأسد شبه الشيعي. ويمكن أن نقول أن هذا عكس ماحدث في العراق حيث ازدهر المتعصبون مثل تنظيم “الدولة” بسبب دعم سنة العراق التي فقدت ثقلها بسبب سقوط صدام حسين.

الخطوط المقسمة على الأرض مهمة، ولكن  ما جعل النيران تستمر -كما في أوروبا القرن السابع عشر- هو تورط القوة الخارجية فقد أصبحت سوريا ساحة للسباق السني متمثلًا بالسعودية والخليج، والشيعي المتمثل بإيران، بينما ترى روسيا مصلحة قومية أساسية بالمحافظة على النظام في سوريا وبالمقابل تركيا تريد إسقاطه.

صراعات معقدة

يصف الرئيس التركي، أردوغان، أعداء بشار بأنهم إخوانه السنة، ولكن إسقاط الطائرة الروسية من قبل الطائرات التركية المتجولة على الحدود السورية ليس له علاقة بالنسخ المتنافسة من الإسلام.

فأنقرة تخاف من نشوء كيان كردي قوي شمال سوريا والعراق، وهو قلق تركي يعبر عنه ازدواجية أنقرة الخطرة في التعامل مع تنظيم “الدولة”، بينما ترى روسيا، مثل أمريكا وأوروبا، التنظيم تهديدًا خطيرًا.

بالنسبة لطهران فالمحافظة على نظام الأسد هو جزء من استراتيجية إيران لتدفع بنفوذها بعمق إلى العالم العربي، بينما تريد السعودية والخليج أن يواجهوا احتمال حصار إيران لهم ويريدون أن يهزموا تنظيم “الدولة” ولكن ليس على حساب نصر طهران وهذه بعض التعقيدات في الصراع.

بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها فالمصلحة الجامعة هي إعادة الاستقرار للمنطقة، وهزيمة مجاهدي تنظيم “الدولة” ولكن هذا صراع يتحدى الحلول الجزئية.

يتطلب حدوث سلام حقيقي انهيار النظام الطائفي والمؤقت الذي يسلمه الدين للواقعية السياسية.

العقدة المستعصية هي الصراع بين إيران والسعودية ولكن حصول تسوية يتعلق بالاعتراف بمصالح روسيا ومخاوف تركيا. هذا شيء مستحيل ربما، ولكن لحين حدوث هذه التسوية ستعيش سوريا الأهوال التي عاشتها ألمانيا في القرن السابع عشر وسيجد تنظيم “الدولة” ملجأ آمنًا لمصالحه الملتوية.

نشر بتاريخ 3 كانون الأول 2015 وترجمته عنب بلدي، لقراءة المقال باللغة الانكليزية من المصدر: اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top