“يمنة” ذات عشر سنوات كتبت وصيتها بعد استشهاد رفيقتها

كيف دخل مفهوم الموت إلى حياة الأطفال في سوريا؟

-الموت-لدى-الأطفال-في-سوريا.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

“مرّ اليوم عاديًا للغاية، وعندما كنت في الطريق سمعت زمور الإنذار، صرت أركض دون أن أعلم ماذا يجري حولي، ما إن وصلت حتى سمعت صوت دوي مرعب، عرفت أنه للطائرة الغادرة، ويبدو أنه قريب من منزلنا، نزلت قبو البناء بخوف، ومضى وقت طويل وإذا بزوجة خالي تنزل درج القبو مسرعة ومذعورة.

قالت زوجة خالي: استشهدت فتاة والدتها من عائلة انجيلة ووالدها من عائلة المدور، لا أعرف لماذا تخيلت صورة صديقتي لجين، أخذت أدعو ألا تكون هي، وبعد دقائق جاءت أمي وأخذتني إلى منزلنا، وهناك سمعت مؤذن الجامع يقول انتقلت إلى رحمته تعالى الشهيدة الطفلة… وقبل أن يكمل بدأت أبكي، لم أسمع الاسم لم أسمع سوى صوت بكائي، كنت أقول البارحة كانت هنا وكانت في الطريق، بدقائق ذهبت ولم تعد، كل اليوم وأنا أفكر فيها، كنت حزينةً ولكني تذكرت أنها شهيدة.. شهيدة، كل الناس ستموت ولكن يالها من ميتة ما أجمل أن نضمن أنها دخلت الجنة.

عندما هطل المطر أخبرت عائلتي أن السماء تبكي معي على شهداء اليوم، وبعد ثوان ظهر قوس المطر أخبرتهم أنه هدية لكل طفل استشهد وهو يلبي طلب أمه ببراءة، ذكرني قوس المطر بألوان السعادة التي رسمناها معًا لقد طبعت في نفسي شيئًا لن أنساه ما حييت، شيئًا رائعًا أتمنى أن أتركه في نفوس الآخرين بعد رحيلي، كانت تمتلك أروع الأخلاق… رحمها الله وجمعني بها في جنة من دون نهاية ولا حزن”.

لعلّ ما كُتب أعلاه يلخص كل ما نودّ ذكره في هذا التقرير، بل ربما نحاول أن نشرح بعض ما ورد فيه، فمن كتب هذه القصة طفلة في العاشرة من عمرها، اسمها يمنة من أطفال مدينة دوما في الغوطة الشرقية.

وصية يمنة

تقول أمل، (21 عامًا) وهي شقيقة يمنة، إن العائلة حاولت تخفيف الصدمة عن يمنة باستشهاد صديقتها لجين، التي رأتها في الشارع قبل القصف بدقائق معدودة، مضيفةً “عندما وصلت يمنة إلى قبو البناء قصفت الطائرة واستشهدت لولو، حاولنا تهدئتها باللعب بالموبايل، لكنها تأثرت للغاية ولا زالت حتى الآن، لدرجة أنها كتبت وصيتها وخبّأتها”.

لا ترغب يمنة بمشاركتنا الوصية التي كتبتها، فهي شيء خاص كما تقول، لكن عندما سألنا عما دفعها لذلك أجابت “لما استشهدت صديقتي تمنيت أن تكون قد كتبت وصية قبل موتها فأحقق لها ما تمنته، كتبتُ وصيتي لمن يحبونني”.

تخبرنا يمنة أنها فخورة، وتوضح “فخورة أني كنت صديقة بنت أخلاقها عالية لدرجة استحقت الشهادة، واستطاعت أن تنال هذه المكانة العالية في الجنة وعند الله”، وتعقّب أمل على هذا “لطالما ردّد الأطفال أغنية لما نستشهد منروح الجنة، لكنها صارت اليوم مفهومًا واقعيًا ومعاشًا من قبلهم”.

لعلّ عمر يمنة العقليّ أكبر من أقرانها، وتعبّر لغويًا أفضل من معظمهم، لكنها بكلماتها تحكي حكايتهم التي عجزت حروفهم الصغيرة عن قصها علينا، وهم بكل تفاصيلهم يخبروننا أن الموت اجتاح عالمهم الملوّن ووشّحه بالسواد، وأن براءة طفولتهم تخفّت أمام شبح يخطف العشرات من حولهم كلّ يوم، وهكذا من دون إذن، دخل الموت مفردات الأطفال في سوريا واحتلّ الصدارة في كلماتهم.

حذيفة: أكره الجنّة

ببراءته، أخبر حذيفة أهله عن كرهه للجنة، أخبروه أن كلامه لا يصح ولا يجوز، لكنّه كررها بصوت عال “أنا بكره الجنة، لأنو الكل عم يروحو عليها”.

يبلغ حذيفة من العمر 9 أعوام، أُخرج وإخوته من تحت ركام منزلهم كلّ بإصاباته وكلّ بفقده، وكان الفقد الأكبر هو الابن البكر للعائلة إذ استشهد متأثرًا بجراحه، تقول هبة (25 عامًا) شقيقة حذيفة “كان مصابنا كبيرًا لدرجة لم يعِ فيها أحدنا كيف نتعامل مع حذيفة، فقدنا بيتنا وأخانا، كل منا مكبل بجراح وإصابات، انتقلنا إلى منزل أقاربنا فاقدين كل خصوصية الموت ومواساته، لم نستطع حتى البكاء لوحدنا، كانت مشاعرنا مفتوحة أمام الجميع، نتيجة لكل هذا لم يكن لحذيفة وقت ليفهم ما الذي جرى، ولم يكن لدينا وقت لنفهمه أيضًا”.

كلما سأل حذيفة أهله عن أخيه أجابوا “راح عالجنة… شهيد ذهب إلى الجنة”، لم يرَ حذيفة في الجنة هذا المكان الجميل، لم يرَ أنهارها وفواكهها التي يخبره أهله عنها، وبقيت أمامه حقيقة واحدة: أنها أخذت أخاه واستأثرت به، وأنها تأخذ كل شخص يختفي في عائلتهم فجأة، تقول هبة “لا أعلم كيف أغيّر هذه النظرة لديه، كيف أعالج ذكرياته السيئة عن الحادثة، ما أعلمه أن الضرر النفسي أكبر بكثير مما يبدو”.

“الشهيد حبيب الله”

السيدة مها (40 عامًا) أرملة لشهيد منذ عامين، تخبرنا أنها سمعت أصوات ابنيها تهمهم بخفوت في الغرفة المجاورة كعادتهما عن فعل شيء لا ترضى عنه، تركت إيقاد الحطب وجرت لترى ما يفعلانه “وجدت أحدهما على الأرض كالنائم دون حراك، والآخر واقفًا يصلي عليه كالصلاة على الميت صرختُ بهما ليتوقفا عن هذا الفأل السيئ لكنهما لم ينصاعا لي، وأكملا المشهد بكل تفاصيله، ليرددا معًا بعد انتهاء صلاة الجنازة: لا إله إلا الله.. الشهيد حبيب الله”.

يتكرر هذا المشهد يوميًا بأشكال عديدة، عند اللعب مع الأصدقاء في الحارة وعند السماع بشهيد جديد، أخبرتنا مها أنها عثرت على ورقة مخبأة في خزانة ابنها كتب فيها نعوته، وتضيف “كثيرًا ما أسمعهما يقلّدان صوت مؤذن الجامع ويذيعان خبر استشهاد أحدهما”.

تقول مها إن حياة ابنيها تغيّرت رغم كل محاولاتها بعد استشهاد أبيهما لشدة تعلقهما به، وتحوّل البكاء والذهول والسؤال المتكرر عنه عقب استشهاده لحالة تصميم على اللحاق به، وتشرح بألم “بات الموت يذكر على لسانهما دائمًا، فعُمَر الكبير (13 عامًا)، يردد أنه يريد الشهادة ليرى والده، عندما أنهره وأقول: بعيد الشر، يخبرني أنه في الجنة لن يكون محاصرًا كما هو الحال في الغوطة”.

ماذا يقول علم النفس؟

تتحدث الاختصاصية النفسية أسماء رشدي في مقال نشرته جريدة عنب بلدي في العدد 137 عن اختلافات إدراك الموت حسب عمر الطفل، وتقول “بالنسبة للأطفال قبل المدرسة فهم يجدون صعوبة في فهم اختفاء شخص ما للأبد… أما الأطفال الأكبر سنًا فهم أكثر فهمًا لحقيقة الموت ومع ذلك تظهر لديهم سلوكيات وردود أفعال مشابهة لردود الأطفال الأصغر سنًا”.

وتنصح الاختصاصية بالرد على أسئلة الطفل والاستماع له عند رغبته بالحديث والتحدث عما شاهده وخَبِره خاصة أثناء موت أحد ما أمامه، وتشجيعه على تذكر الأحداث، ولكن يفضل الابتعاد عن التفاصيل المؤلمة.

وتذكّر شبكة “حرّاس” في مناشيرها للدعم النفسي ما بعد الصدمة، بأهمية وعي محيط الطفل لطريقة التعامل معه، ومدى حساسية ردود أفعال الأهل في هذه المواقف حيث يكون ردّ فعل الطفل عبارة عن محاكاة لتصرفات الكبار التي يراها حوله، لذا يجب محاولة التصرف بهدوء وسكينة أمام الطفل، بالإضافة لتزويده بمعلومات تتناسب مع مستوى فهمه وعمره “فالفائض من المعلومات قد يربك الأطفال ويسبب لهم المزيد من الخوف وعدم الاطمئنان”.

في حين تشير الأستاذة هنادي الشوا، الاختصاصية في علم الأمراض النفسية والتحليل النفسي، في العدد السادس من “الدليل العملي لرعاية ضحايا الصدمة النفسية” المنشور عام 2012، أن العلاج بالرسم والرقص والتعبير والتمثيل “يعتبر من أهم أشكال العلاج الابتكاري التي تحقق التنفيس وتجاوز الخبرات المؤلمة وتشكيل عادة جديدة للاستجابة لموقف مماثل”.

فيما يلي حوار لثلاثة أطفال من الغوطة الشرقية، فلك 12 عامًا، نور 11 عامًا، محمد 7 أعوام، نقلته لنا والدتهم هبة حرفيًا، وننقله كما وردنا:

فلك: إذا عملوا هدنة 15 يوم أكيد بعد ما تخلص لح يموتونا

نور: قال يمكن يشغلو الكهربا النظامية وقت الهدنة

محمد: يعني لح تجي الكهربا بالنهار؟ ونشوف أفلام كرتون؟

فلك تعود لفكرة الموت بعد الهدنة: إذا بدنا نموت بعد الهدنة إن شاء الله يموتونا بالنووي؛ على الأقل منموت كلنا سوا ومنخلص.

محمد: لاااا ما بدي موت بدي شوف أفلام كرتون بالنهار.

نور: إذا متت بتروح على الجنة.. بالجنة أحسنلك يا ذكي.

بهذه البساطة، وإلى هذا القدر من السوداوية دخل الموت حياة الأطفال في سوريا ولغتهم، ليقتل من شاء منهم، ويقتل طفولة من تبقّى.

تابعنا على تويتر


Top