"الاحتياط واجب والاحتفاظ ع قد المحبة"

حملة سحب الاحتياط تغيّر معالم مناطق النظام ديموغرافيًا.. اختفاء الشباب من الشوارع وارتفاع مستويات الهجرة

-سحب-الاحتيا.jpg

عنب بلدي – خاص

خلسة، ودون الإعلان رسميًا بدأت قوات الأسد وأجهزته الأمنية في 20 تشرين الثاني الماضي، حملة ضد الشباب السوري المتخلف عن أداء الخدمة الإلزامية، بالتوازي مع حملة أخرى لتدعيم صفوف الجيش عبر استدعاء 70 ألف جندي من صفوف الاحتياط، في مناطق نفوذ وسيطرة النظام السوري.

ما إن انتشر الخبر بين المواطنين حتى اختفى الشباب ومن هم في سن الاحتياط ومواليدهم بين 1972 حتى 1992 من الساحات والأزقة والمطاعم وأي مكان عام يمكن أن تدخلة دورية وتسحبهم، وترافق ذلك مع تشديد أمني غير مسبوق على الحواجز والطرقات العامة ومداخل المدن والأحياء، وبات التدقيق على الهويات وسحب الشباب كابوسًا يؤرق الشباب ويضعهم أمام حلّين أحلاهما مر، الأول التزام المنزل وعدم الخروح إلا للضرورة القصوى، أو الهجرة وترك كل شيء وراءهم.

الحال بالنسبة للشاب منير “صعبة للغاية”، ويصف ما ألمّ به جراء استدعائه لصفوف الاحتياط بـ “المصيبة” التي لم يكن يتخيل أنها ستقع على رأسه؛ فالشاب (31 عامًا) موظف في إحدى شركات القطاع الخاص براتب جيد وهو معيل لأسرة مؤلفة من 5 أشخاص، هو الآن في المنزل بانتظار حصوله على جواز السفر وستكون تركيا وجهته الجديدة.

ويقول لعنب بلدي “أضطر لتغيير مكان إقامتي كل يوم وأتنقل من بيت لآخر، فالمداهمات هنا على أشدها.. هم (قوات النظام) بحاجة لأي جندي أو موظف يدعم الجبهات”، ويشير منير إلى أنه لا يرغب بالمشاركة في القتال مع أي طرف كان “فالسلاح هو ما أوصلنا إلى مانحن عليه”، في إشارة منه إلى دمار سوريا وتضرر البنية التحتية بشدة.

آراء وتحذيرات على وسائل التواصل الاجتماعي

وجدت حملة النظام ضد المتخلفين والمطلوبين للاحتياط، صدىً واسعًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتباينت الآراء بين داعم لها، من مؤيدي النظام في المناطق التي ماتزال تحت سيطرته، مقابل أصوات أخرى استهجنت الحملة وبررت أهدافها بالنقص العددي لقواته، وعدم نجاعة الدعم الروسي الجوي والإيراني، والميليشيات الطائفية على الأرض. حتى أصبح النظام متعطشًا لتدعيم قواته. بينما تناولها فريق ثالث بالاستهزاء، كونها لن تأتي بأي نتيجة يتمناها النظام، أمام خسائرة المتلاحقة.

وفور إعلان انتشار الحملة بدأ الناشطون في دمشق وريفها يحذرون من أماكن تواجد دوريات النظام وضرورة عدم الاقتراب، كتب أحدهم “يوجد حاجز لعناصر النظام يتبع للمخابرات الجوية عند الجسر الرابع على طريق مطار دمشق الدولي يقوم باعتقال الشباب ممن هم بعمر خدمة  الاحتياط، وينوون السفر”.

وكتب آخر من دمشق “انتباه، حاجز مستشفى الحياة يفتش الشباب بشكل دقيق، وحملة كبيرة للسحب على الجيش”.

وكتبت إحداهن على صفحتها باستهزاء “الاحتياط واجب والاحتفاظ ع قد المحبة”، في إشارة منها إلى طول المدة التي يقبع فيها المجند في جيش النظام في الخدمة، فمنذ 5 سنوات لم يتم تسريح أي عسكري، فيما كتبت فتاة أخرى “جنة الشباب منازلهم…”.

ووضع شاب آخر صورة على صفحته لشخص يرتدي ألبسة نسائية ويسير في الشارع، كي يوهم دوريات النظام بأنه امرأة، وبالتالي يتفادى الاعتقال والسَّوق للخدمة.

شرعنة الحملة بمرسوم

بداية الثورة السورية في آذار 2011 حاول رئيس النظام، بشار الأسد، استمالة العسكريين ممن هم في مرحلة الاحتياط والعاملين في القطاع العام عبر منحهم أجورًا وحوافز وأحيانًا زيادة الرواتب، وذلك لتدعيم قوات الجيش. ولاحقًا أصدر المرسوم رقم 38 لعام 2015 المتعلق بقانون خدمة العلم ونص على تطبيق الفقرتين 2 و3 من المادة 74 على جميع العاملين الموجودين في خدمة العلم الاحتياطية اعتبارًا من 15 آذار 2011، وبموجب المادتين “يمنح العاملون في الجهات العامة دائمين أو مؤقتين الذين يستدعون لأداء الخدمة الاحتياطية إجازة بكامل الأجر طوال فترة استدعائهم، ويحتفظون بحقهم في كل الترفيعات والمزايا المقررة لأمثالهم من العاملين على رأس عملهم”.

وسمح المرسوم لهؤلاء الاستمرار بتقاضي كل التعويضات التي كانوا يتقاضونها بما فيها التعويضات الخاصة بالوظيفة المسندة إليهم قبل استدعائهم، ويعاد العاملون في الجهات العامة أو الخاصة أو المشتركة إلى عملهم بعد انتهاء فترة استدعائهم شريطة أن يضعوا أنفسهم تحت تصرف تلك الجهات خلال 15 يومًا من تاريخ تسريحهم.

وينظر إلى هذا المرسوم على أنه عامل إغراء للعمال والموظفين في مؤسسات القطاع العام من أجل حثهم على الالتحاق بصفوف الجيش، على أن تكون عقوبة المتخلف عن الاحتياط، على الشكل التالي:

  • إذا كان المتخلف موظفًا يفصل من وظيفته، وفي حال لم يكن، يعاقب بالسجن لمدة 5 سنوات، بالإضافه لغرامة مالية، وأي موظف مثبّت أو يعمل بموجب عقد سنوي يعود إلى وظيفته ويمارس عمله بعد الانتهاء من مدة الاحتياط في حال التحق.

ماكينة إعلامية داعمة

وبالتوازي مع حملة النظام الأمنية وتشديد القبضة على المتخلفين عن الالتحاق، كانت الماكينة الإعلامية الموالية تهوّل لحجم الإقبال من الشباب في ريف دمشق وغيرها على الانضمام إلى قوات الجيش، وتنشر نصوصًا قانونية عقابية لكل من يمتنع.

ونشرت صفحة موالية عبر فيسبوك تفاصيل عملية الاستدعاء وكيف تتم ومن هم المستهدفون، إذ “يتمُّ طلب الاحتياط بحسب حاجة الوحدات والتشكيلات من بعض الاختصاصات، نتيجة النقص بسبب الظروف الراهنة وخسارتها لعدد من الشهداء والإصابات، والسن القانوني في الاحتياط من مواليد 1973 حتى مواليد 1991، كل حسب اختصاصه”.

لا يعترف الشباب موالين ومعارضين في مناطق النظام بهذه النصوص ولا بهذه الهالة الإعلامية، ويبقى خيار الهجرة الحل الأمثل لكثير من الباحثين عن حياة جديدة وفسحة أمل بمستقبل جديد، بعيدًا عن جبهات القتال وأصوات المدافع، لكن كلما طال عمر الصراع كلما قلت فرص الناجين بسبب احتدام المعارك وارتفاع مستويات العنف.

أبعد من ذلك ذهب النظام السوري في ملاحقة السوريين الفاريين من عنفه، إذ صرح بشار الأسد في 30 تشرين الثاني لتلفزيون تشيكي بأنه “يوجد بين اللاجئين السوريين في أوروبا إرهابيون”، وهنا يعلّق شاب سوري من هولندا “تركناه ولم يتركنا.. نأمل في التخلص منه قريبًا”.

تابعنا على تويتر


Top