تمثيل المعارضة.. الوقوع في ذات الحفرة؟

محمد رشدي شربجي

خلال خمس سنوات من المأساة بات جليًا أن أداء المعارضة السياسي كان من العقبات الأساسية في وجه انتصار الثورة السورية، ولا يجب التفريق هنا بين داخل وخارج، بل لعل هذا التفريق هو من أعراض أمراض المعارضة نفسها -للأسف-، وعليه تنسحب باقي الثنائيات الرائجة في الخطاب المعارض “الفيسبوكي” (شباب الثورة في مواجهة شيوخها، المجاهد مقابل السياسيين المتنعمين في فنادق تركيا… إلى آخره).

منذ انطلاق الثورة كان توحيد المعارضة واحتكار تمثيلها وتمثيل الشعب السوري في المحافل الدولية من أكبر هواجس المعارضة، ومن المطالب الدائمة للمتظاهرين في بداية الثورة -وحتى الآن للأسف طبعًا- هو توحيد المعارضة السياسية، وتوحيد الفصائل العسكرية المتكاثرة، وقد جرت حتى اليوم عشرات -إن لم نقل مئات- المحاولات للتوحيد جرى الإعلان عن بعض منها، ولكن مصيرها كان غالبًا الفشل.

لعل أبرز المحاولات المبكرة كانت تشكيل المجلس الوطني السوري في تشرين الأول 2011 في اسطنبول، وقد حظي المجلس حينها بشرعية كبيرة أظهرتها مظاهرة ضخمة في جمعة سميت “المجلس الوطني يمثلني” داخل سوريا، واعتراف كثير من الدول بالمجلس كممثل “شرعي”، “وحيد”، لـ “المعارضة” أو “الشعب السوري”، بعد أن نالت كل كلمة من الكلمات السابقة بين المعترضات نقاشات وأخذًا وردًا لا ينتهي.

تأثر المجلس الوطني بالتجربة الليبية في تشكيله، ومنه أخذ اسمه في الحقيقة (المجلس الوطني الليبي)، ولكن تكشف الأحداث عن استحالة تطبيق السيناريو الليبي في سوريا لاعتبارات عديدة لا مجال لذكرها، وتمسّك روسيا بالأسد وعرقلة أي قرار ضده في المحافل الدولية، وترهل “أصدقاء” المعارضة وتنافسهم، ودخول المجلس في حالة عطالة على كل الصعد بسبب تصارع مكوناته، كل هذا أفقد المجلس وظيفته وزاد من تهميشه وأفقده شرعيته في النهاية.

فقدت السياسة معناها وتركزت جهود الثورة على الهزيمة العسكرية للنظام، وازداد ظهور الكتائب الإسلامية حتى سيطرت على الساحة الشامية -كما يسميها أخوة المنهج- لأسباب عديدة أبرزها التضحيات الكبيرة التي قدمها أبناء هذه الكتائب، وإقدامها في المعارك، وأسباب كثيرة غيرها، وبالنتيجة فإن نظام الأسد نهاية 2012 كان قد فقد مساحات شاسعة من سوريا، ما جعل القوى الدولية تفكر في عمل “شيء ما” وعليه تم تشكيل الائتلاف الوطني السوري في قطر.

لم يجلب الائتلاف جديدًا على الساحة، عدا بعض التفاؤل بشخص معاذ الخطيب سرعان ما انقشع، وقد جاء في بيان تأسيس الائتلاف أن من أهدافه “تشكيل حكومة انتقالية” لإدارة المناطق المحررة، وهو ما لم يحصل على الإطلاق، وعلى أرض سوريا استمرت المجازر الأسدية وسيطرة التيار السلفي الجهادي بالمقابل.

لا تعترف السلفية الجهادية بالمجتمع الدولي، ولا بالنظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولذلك فإنها تتخذ موقفًا معاديًا من العمل السياسي، وتعتبره مضيعة للوقت حيث يجب استثمار الوقت فقط في الجهاد حتى تحرير الأمة الإسلامية وتوحيدها “من طنجة إلى جاكرتا”، وغيرها من الشعارات العملاقة، وبالمحصلة فقد تركت الثورة بلا تمثيل سياسي حقيقي في حين بقي نظام الأسد “الشرير الذي يمكن التعامل معه”.

تقف الثورة اليوم عند مفترق طرق، فبيان فيينا 2 جاء على أرضية مكافحة الإرهاب بسبب هجمات باريس التي سبقت الاجتماع بيوم، كما أن التدخل العسكري الروسي، والتوتر التركي الروسي أعاد خلط الأوراق مرة أخرى في شرق أوسط يعيد ترتيب نظامه الإقليمي من جديد.

تجهز الرياض اليوم لمؤتمر جامع جديد للمعارضة، بغية تشكيل وفد يفاوض النظام على خارطة طريق فيينا 2، ويشير ما رشح من الأنباء أن المؤتمر يكرر أخطاء المؤتمرات السابقة بحذافيرها من ناحية طغيان منطق المحاصصة على تفكير المدعوين، والدخول من الآن في نقاشات سفسطائية عن شكل نظام الدولة المستقبلي، كما أن دعوة صالح مسلم رئيس وحدات حماية الشعب المعروف بتنسيقه مع النظام السوري، أو هيئة التنسيق التي ترى أن التدخل الروسي كان ضروريًا “لحماية الدولة السورية من الانهيار”، أو تيار بناء الدولة السورية الذي لا يعترف رئيسه بالثورة من أصلها، يجعل احتمال أن يلقى هذا المؤتمر مصير المؤتمرات السابقة أكثر ترجيحًا، اللهم عدا عن فارق نوعي هو التنسيق السعودي التركي المشترك خلافًا لحالة التنافس التي سادت المؤتمرات السابقة، وإقرار بعض الكتائب السلفية أخيرًا أن العمل السياسي عمل لابد منه بعيدًا عن حمى الشعارات.

لن يدرك أحد مصلحة الثورة ما لم يدرك أبناؤها ذلك، ولا حل إلا بتوحد العسكري مع السياسي في مشروع وطني ثوري جامع، واغتنام الفرصة النادرة لتناغم داعمي الثورة الإقليميين واستشعارهم الخطر الإيراني الروسي الداهم الذي يهددهم جميعًا.

تابعنا على تويتر


Top