“أرض الخلافة” تتحول إلى سجن كبير والمدنيون يبحثون عن طريق الهرب

-الخلافة.jpg

سيرين عبد النور – دير الزور

“مظلمة ومهجورة”، بهذه الكلمات تصف مروة مدينةً غادرتها قبل أسبوعين، الفتاة التي كانت تعيش مع عائلتها في أحد بيوت حي العرضي اضطرت للخروج من دير الزور بسبب ضيق ذات اليد بعد تكثيف القصف عليها من قبل الطيران الحربي.

“الحياة هناك ليست جيدة ونحن محاصرون في منازلنا لكنها أحكام الفقر”، كلام مروة ينسحب على 99% من الأهالي المتبقين في مناطق التنظيم، بحسب علي الفرحان وهو أحد ناشطي دير الزور الحقوقيين.

ويؤكد الفرحان أن ثلاثة أحزمة تحاصر الأهالي في مناطق “الدولة”، هي قوانين “الدولة” والخوف من المجهول والفقر، ويكمل حديثه لعنب بلدي ’’الجميع يرفض داعش ويريد رحيلها بأي وسيلة”، رغبة تصطدم بعنف القصف الجوي الذي يرعب الأهالي.

الفرحان يصف ما يحدث في مدينته بسحق الأهالي بين قطبي رحى، أحدهما التنظيم بتطرفه وتوحشه والقصف المستمر عليهم، ويردف “أغلب الأهالي غادروا دير الزور ولم يبق في المدينة اليوم سوى مئات الأشخاص الذين يتحيّنون الفرصة المناسبة للخروج، لكن إلى أين وماذا ينتظرهم؟”.

 رحلة مؤلمة

الخروج من مناطق التنظيم يحتاج إلى عدة مراحل، وخاصة إذا كان بين المسافرين نساء، إذ فرضت “الدولة” قوانين مشددة تمنع خروجهن من مناطق سيطرته، ما جعل الكثيرات منهن يلجأن إلى استصدار تقارير طبية تفيد بتدهور حالتهن الصحية وحاجتهن الملحة للسفر بغرض العلاج، كحال أم محمد التي تقول “اضطررت أن أدعي أنني مصابة بالسرطان وأنني على وشك الموت ليسمح لي العناصر بالخروج”.

وتروي المرأة الخمسينية بعاطفة كيف كانت تعاني داخل مناطق التنظيم “كنت أشعر بالتوتر والخوف أمام أمير الحسبة واللجنة الطبية التي أعطتني التصريح بالخروج”، حالة استمرت معها إلى حين عبورها آخر الحواجز.

وتضيف “كنت أسبّح وأقرأ القرآن عند كل حاجز خوفًا من إعادتي، فقد سمعت عن الكثيرات من النسوة وصلن إلى آخر الحواجز ثم عدن أدراجهن بسب رفض عناصر الحاجز لتصريح المرور، متذرعين بتزوير التصريح ثم يمزقونه بكل بساطة ويأمرون سائق السيارة بالعودة”.

أهواء شخصية يخضع لها الخارجون من الأهالي كما يقول حسن، وهو سائق سيارة لنقل المسافرين، “نحن أسرى القرارات الشخصية لعناصر الحواجز ومزاجهم، وهذا ما يجعلهم يقررون تفتيش الركاب وما يحملونه من متاع، أو يجعلهم يمزقون الوثائق الشخصية مثل دفتر العائلة أو الشهادات الجامعية أو حتى مصادرة الهويات”.

لكن جميع عناصر الحواجز يتفقون على طلب تفتيش الجوالات وكروت الذاكرة الموجودة فيها، ويعتبر الموبايل الخطر الأكبر الذي يهدد حياة المسافرين، بحسب حسن “اعتقل الكثير من المسافرين بسب محادثات الواتس أب أو بسبب صفحاتهم على الفيسبوك والتي تفتش بشكل دقيق عند كل حاجز”.

طريق إلى الحياة

“بالمعجزة التي يرفض الجميع تصديقها” يصف خالد، أحد الخارجين من دير الزور، وصوله إلى خارج مناطق تنظيم “الدولة”، بعد ما قطع مع اثنين من إخوته طرقًا جانبية مبتعدين عن الحواجز في ريف الرقة وصولًا إلى الريف الحلبي؛ حيث زرع التنظيم مناطق واسعة بالعبوات بهدف عرقلة العابرين عن طريق التهريب، وقد أدى انفجارها إلى قتل العشرات من المدنيين الذين يبحثون عن بوابة الخلاص من “جحيم الخلافة”.

الشاب يروي كيف شاهد مع أصدقائه، لحظة انفجار لغم أرضي بعائلة حمصية كانت معهم، ما تسبب بمقتل 4 من أفرادها بينهم طفل وامرأة.

ويؤكد العابرون أن “التهريب” أصبح تجارة مستقلة لها أشخاصها وسماسرتها وأسعارها تتراوح بين 3 – 5 آلاف ليرة سورية، بينما يفرض التنظيم على كل شخص يمسك به محاولًا الهرب من مناطقه، اتباع دورة شرعية ويصادر هويته الشخصية.

ولجأ التنظيم إلى رصد مكافآت مالية لكل من يبلّغ عن أشخاص يريدون الابتعاد عن مناطق سيطرته، فضلًا عن عقوبات بالسجن والغرامة لكل من يساعدهم أو يعمل على تهريبهم، وذلك منعًا لـ “إفراغ الدولة الإسلامية من الأهالي”، على حد تعبير “أبو جليبيب”، أحد عناصر التنظيم، الذي يصف لعنب بلدي ما يجري بـ “المؤامرة العالمية لإبعاد المسلمين عن دينهم وتنصيرهم وتدمير دولة الخلافة التي لا بد ستنتصر في النهاية”.

المقاتل الذي يؤكد أن “دولة الخلافة” تتمدد يرى أن كل من يخرج من أراضيها سيكون في صفوف “الكفرة المرتدين”، في الوقت الذي تقترب فيه “الملحمة الكبرى في مرج دابق، التي يتواجه فيها فسطاط الإيمان مع فسطاط الكفر”.

وفيما لا يزال البغدادي، زعيم “الدولة”، يجهز جنوده لـ “الملحمة الكبرى” يقبع العشرات من الشباب الذين حاولوا العبور معتقلين في سجونه منتظرين الإفراج عنهم لتكرير المحاولة.

تابعنا على تويتر


Top