ثورة المغمورين – ياسين الحاج صالح

كم سورية واسعة وكبيرة، وكم نظامها ضيق وصغير؟

كم سورية شجاعة ونبيلة، وكم نظامها جبان وخسيس؟

كم سورية غنية ومتنوعة، وكم نظامها فقير ومبتذل؟

كم سورية كريمة، وكم نظامها شحيح وأناني؟

كم سورية إنسانية، وكم نظامها عدواني؟

كم سورية حية، وكم هذا النظام الذي يحكمنا ميت؟

قد يكون أعظم ما كشفه عام من الثورة السورية هذا البون الشاسع بين رحابة البلد وضيق الثوب السياسي المفروض عليه. تظهر سورية بلداً كبيراً، يتكون من مئات المدن والبلدات، يسكنه بشر حقيقيون لهم أسماء وشخصيات وروابط حية، ويرفضون البقاء في العزلة التي فرضها عليهم النظام طوال نصف قرن. الثورة السورية ثورة المغمورين، المجهولين، الغرباء وغير المرئيين في بلدهم، والذين لا يسمع له صوت. إنها خروج جماعي وشجاع من الغمر الذي أسدل النظام حجابه السميك على وجه البلد وحياة سكانه. للسوريين اليوم وجوه وملامح وأصوات وقصص لا تنتهي.

سورية والمجتمع السوري ليسا منزهين من المشكلات. منا نحن السوريين أعوان الطغيان، ومنا من يرتشي ويسرق ويعتدي على غيره، ومنا من ينساق بيسر إلى معاداة بعض مواطنيه مانحاً الطغيان موقعاً تحكيمياً بيننا. لكن ليس بين مشكلاتنا ما هو متأصل في كياننا كبشر ومجتمع وثقافة، وليس بينها ما هو أسوأ من نظام عدواني وأناني، لا يحس بغيره ولا يهتم بغير مجد الرجال الجوف الذي يديرونه.

هذا النظام مثل مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، تظهر عند المصاب به أمراض متنوعة، تسمى أمراضاً انتهازية بلغة الطب، وقد يموت المريض بفعل المضاعفات التي يتسبب به أحد هذه الأمراض الانتهازية، لكن لا سبيل إلى شفاء أي منها دون التغلب على فيروس الإيدز والشفاء من العدوى الأساسية به.

سترث سورية مشكلات كبيرة جدا حين تنزع عن عنقها نير النظام الأسدي، بعضها موروث من نصف قرن من الطغيان، وبعضها موروث عن ما ألحقه ويلحقه النظام من تدير واسع بالبلد وبالمجتمع وبالنفوس إلى حين سقوطه الواجب. لكنها بعد حين ستكون في وضع أفضل لمواجهة هذه المشكلات ومعالجتها.

لا حياة كريمة ممكنة لوطننا دون خلع هذا الرداء الخانق .

 

تابعنا على تويتر


Top