صراع الإمبراطوريات في سوريا

محمد رشدي شربجي

انهار الاتحاد السوفييتي رسميًا في كانون الأول 1991، لتدخل روسيا بعدها في مرحلة من الاضطراب السياسي والاجتماعي، وليقتنص الناتو الفرصة ويضم دول أوروبا الشرقية ويقترب منهم دول كانت سوفييتية سابقًا.

يبين عزمي بشارة الإيديولوجية الروسية بعد الاتحاد السوفيتي، أنها لم تتبن إيديولوجية عالمية بديلة للشيوعية، ولم تسد فيها ديموقراطية ليبرالية، وهي في مسعاها لاستعادة دور الدولة العظمى، تبنت فكرة الدولة والسيادة والمجال الحيوي بذاتها كإيديولوجية، لقد أصبحت مصالح الدولة في مجالها الحيوي فوق كل شيء وتلاءمت مع طروحات الدولة العظمى هذه عقيدة جيو – استراتيجية، هي العقيدة الأوراسية التي تجمع بين السلاف ومسلمي آسيا الوسطى على حدود الشرق الأوسط في مواجهة حلف الناتو.

لا تنظر روسيا إلى الثورات إلا من منطق أنها مساحات جديدة سيستغلها الغرب عاجلًا أم آجلًا، خاصة أن تجربتها مع الثورات الملونة على أطرافها في منتصف العقد الماضي دائمًا ما أثبتت ذلك، ولذلك فإنها الدولة الوحيدة تقريبًا في العالم التي شككت في ثورة 25 يناير 2011، مع أن العالم كله وقف احترامًا وإعجابًا بها وبسلميتها، فحذرت من التدخل الخارجي مع أن النظام المصري يعتبر حليفًا أساسيا للولايات المتحدة منذ طرد السادات للخبراء الروس عام 1972، ومن هذا المنطق يؤكد عزمي بشارة دائمًا أن لروسيا موقفًا مبدئيًا ضد الديموقراطية وثورات الشعوب بغض النظر إن كان نظام هذه الدولة حليفًا لروسيا أم لا.

وفيما يخص الربيع العربي رأت روسيا أن البديل إما ليبرالية على النمط الغربي أو حكم إسلامي حليف لتركيا وفي كلتا الحالتين اعتبرت روسيا أن الربيع العربي سيشكل خطرًا على أمنها القومي ومجالها الحيوي.

لدى روسيا حساسية كبيرة من الإسلام تفوق ما عليه الحال عند أوروبا أو الولايات المتحدة، فهي محاطة بخمس جمهوريات إسلامية جميعها ذات أصول تركية، كما يتراوح عدد المسلمين فيها ما بين 21 و23 مليونًا غالبيتهم من أصول تركية، ونسبة التوالد فيهم هي الأعلى مقارنة بالروس الذين تتناقص أعدادهم منذ عام 1990 بسبب إحجامهم عن الإنجاب، بحسب ما توضح الباحثة آنا بورشكسفيسكايا الباحثة في مركز واشنطن، ومن أجل هذه الأسباب السابقة جميعًا تعتبر روسيا تركيا خصمًا استراتيجيًا على مصالحها في وسط آسيا ومنطقة الشرق الأوسط.

على الجانب الآخر اعتبرت تركيا انهيار الاتحاد السوفيتي فرصة تاريخية لا تتكرر، فلأول مرة بات الطريق بلا عوائق بينها وبين “أتراك السماء”، أي الجمهوريات التركية في وسط آسيا وجنوب القفقاس. حاول الرئيس التركي توركوت أوزال ومن بعده سليمان دميرل تشكيل اتحاد مع هذه الدول، ولكن تخوف هذه الدول الخارجة للتو من التسلط السوفيتي من مفهوم “الأخ الأكبر” الذي طرحه الأتراك في تعاملهم معها، عدا عن أعباء هذه الدول الاقتصادية الكبيرة على تركيا، جعل تركيا تحجم عن فكرة الاتحاد “مضيعة الوقت” بحسب أحمد داوود أوغلو، وتكفي بلعب الدور الأمريكي هناك في مواجهة النفوذ الروسي والإيراني كما وضح باقتدار عقيل محفوض في كتابه المهم “السياسة الخارجية التركية”.

على العكس تمامًا من روسيا، رأت تركيا المنتعشة اقتصاديًا بجهود حزب العدالة والتنمية، مع انطلاق الربيع العربي أن لحظتها قد حانت، وأطلقت العنان لخيالها بتحالف يمتد من تركيا إلى تونس مرورًا بسوريا ومصر وليبيا، وراهنت لذلك على قوى الإسلام السياسي بما لها من نفوذ وسمعة كدولة استطاعت الجمع الفريد بين الإسلام والديمقراطية، ولكن طموح تركيا هذا وضعها في مواجهة السعودية هذه المرة التي دبرت انقلاب السيسي لتتلقى السياسة الخارجية التركية ضربة قاضية ولتخسر تركيا ما تمنت تحقيقه من الربيع العربي، ولتبقى في مواجهة الفوضى الهائلة التي أنتجتها الثورة السورية.

أحدثت الثورة السورية اضطرابًا هائلًا لخصه أوباما في أحد لقاءاته بالقول “إننا نشهد انهيارًا لشرق أوسط تم تقسميه قبل مئة عام”، واستغلت روسيا الانسحاب الأمريكي من المنطقة لتعزز مجالها الحيوي وفقًا لإيديولوجيتها، التي بيناها آنفًا، وتنشر قوات عسكرية قاطعة بذلك الطريق على منطقة تركيا الآمنة، أما تركيا التي عانت من غياب الاستراتيجية والاضطراب في أدائها تجاه سوريا فقد شعرت أن أوان الحزم قد آن بعد أن انتقلت الاضطرابات إلى داخلها.

انفراط عقد الدولة السورية مهّد الطريق لنظام إقليمي جديد بحسب مركز بيغن السادات، ولذلك تعتقد تركيا أن تأمين حصتها في هذا النظام الإقليمي أهم من علاقات اقتصادية استراتيجية مع روسيا أو إيران، فهي قد غابت عن التقسيم الأول بل كانت ضحيته ولن تسمح أن تغيب عنه هذه المرة.

يبقى ما يحز في النفس أن تتصارع القوميات المحيطة بنا على أرضنا لقرن من الزمان، ثم نكون نحن الغائب الوحيد عن اتخاذ قرارات تحدد مصيرنا، فالطائفية التي غرق بها العرب اليوم، لا شغل شاغل لها إلا بعث الأموات لتقتل بهم الأحياء.

تابعنا على تويتر


Top