رحيل الأسد أم بقاؤه.. ليس هذا هو السؤال إنما محاسبته

فادي القاضي

أثارت تصريحات رسمية فرنسية الأسبوع الماضي حول إمكانية بقاء بشار الأسد في سدة الحكم، في الوقت الذي تتكثف فيه الجهود الدولية لتوجيه المزيد من الضربات إلى تنظيم “داعش”، لغطًا وجدلًا ونقاشًا لم ينته بعد. وهذه ليست الإشارة الأولى من نوعها التي تصدر عن حكومات غربية بهذا الصدد، فقد قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري كلامًا مماثلًا قبل ذلك الوقت بقريب.

ويطرح هذا اللغط برأيي إشكالية متعددة الجوانب، قد يكون على رأسها، أن أشد الراغبين برحيل بشار الأسد عن حكم سوريا، ومنهم أولئك الذين حملوا السلاح، وانتظموا في فصائل وكتائب وأجناد، لم يضع على الأجندة، ولو لمرة واحدة، مبدأ محاسبة النظام، ورأسه والفاعلين فيه، والمسؤولين عن أفظع الجرائم ضد الإنسانية.

ولا يتوفر في أدبيات هذه القوى، مُسيسة كانت أم متعسكرة، أي إشارات إلى العدالة ومعاقبة المسؤولين عن هذه الجرائم بأي شكل من الأشكال.

وليس من شأن ما سبق أن يُعطي صك غفران لهذه القوى، وما فعلته وارتكبته في سياق الحرب على مدار السنوات الأربع الماضية، إلا أنه يوفر إضاءةً على مشهد يخلو من خطاب يتميز برجاحة العقل، والتفكير الاستراتيجي، وهو في الواقع ليس متوفرًا لدى جل هذه القوى.

فماذا لو بقي بشار الأسد فعلًا في منصبه، في ظل شروط اتفاق وانسجام طيف واسع من القوى الدولية الفاعلة في المشهد السوري (وهي كثيرة)؟ وماذا لو شمل هذا التوافق أطيافًا من المعارضة السياسية أو العسكرية، أو كليهما معًا؟ إن بقي، من دون توفر ضمانات للمحاسبة وضمان عدم الإفلات من العقاب، فذلك يعني أن ضحاياه سيموتون كل يوم ألف مرة في قبورهم، وأن من هم على قيد الحياة خسروا الحياة مرتين: مرة حين أصبحوا ضحايا للنظام، ومرة ثانية حين كوفئ النظام على ما ارتكبه بحقهم.

وماذا لو رحل بشار الأسد، في إطار أي صفقة، صغر أم كبر إطارها، وأصبح فعلًا خارج المشهد السياسي السوري؟ أتكون المعارضة المسلحة قد حققت منالها؟ هل يمكن لذلك أن يوفر مرهمًا لجراحات لا تندمل بمرور الوقت، وسط ذاكرة تعج بالقتلى والمُعذبين حتى البشاعة، إضافة إلى أولئك الذين ساروا على دروب الهرب من بلد لبلد، وشاطئ لشاطئ؟

سواء رحل أم بقي، فيجب الإصرار على مطلب العدالة والمحاسبة، وأنا لا أقول القصاص. لأن إطار العدالة يوفر فرصة للضحايا لالتماس جبر الضرر ورد الاعتبار، أما القصاص، بالشكل المعروف، فهو يعني الاقتصاص، أو الانتقام، بما يُحيل الملف برمته، ومعه ملايين الضحايا، الى ذاكرة القبر. وصحيحٌ أن لا أحد من القوى الدولية، وبالتحديد العربية منها، يبدو معنيًا بطرح مسألة العدالة، ولا خيار المحكمة الجنائية الدولية، لكن ما الذي يمنع السوريين من ذلك؟

لا شيء يمنع السوريين من العمل على تكريس مطلب العدالة في أي أجندة تسوية مقبلة، إطلاقًا.

تابعنا على تويتر


Top