تكبيرة الإقامة في الدنيا… وتحية السلام في الجنة…

-بلدي-العدد-الثامن-الأحد-25-آذار-2012.pdf-Page-5-Image-1.jpg

توضأت الأم سمية دقو صباح الخامس من شهر شباط لهذا العام…ودخلت غرفتها لتختلي بربها…وبدأت تكبيرة الإقامة في حياتها الدنيوية…ولكن شاء الباري أن تكمل تحية السلام لتنهي صلاتها في الجنة…..بعد أن أتمت ما يقرب الخامس والاربعين من عمرها….

فيد الغدر لم تحترم خشوعها في صلاتها…إذ قاطعت خلوتها مع ربها….بل وحتى أنهت جلستها مع أهل بيتها…»حيث اقتحمت رصاصات قناص جدار ذاك البيت الذي تسكنه…لتخترق جسدها الطاهر»…فتأذن لها بسكرات موت هادئة… كخشوع ذاك المصلي الذي تقطر عيناه حزناً من رهبة الوقوف بين يدي الباري…فكيف به الآن والملائكة تشيعه إلى خالقه…بجنازة لا يحلم بها إنسان عاش في زمن الطاغية الذي يقتل القتيل ويمنع جنازته…وإن حصل له جنازة فيقتل من يشيعه….

«عينا القناصة لم تغيبا عما يحصل في داخل المنزل…إذ كان بمقدوره أن يراقب عن كثب ما يجري….فقرر أن يكمل ما بدأ…فأعاد إطلاق النار…كررها مرات عدة ليمنع أخي من إنقاذ أمي»…

إذ مع كل خطوة كنا نخطوها أنا وأخي كانت الرصاصة تدخل لتعلن لنا اقتراب مغادرة قطار أمي لرحلته الدنيوية في دارنا…

«ثم لم يكتفي ذاك القناص بتلكم الرصاصات التي غرسها في جدران منزلنا…وفي جسد أمي..إذ يبدو أنه لم ينتهي من تفريغ انفعاله…أو ربما تفريغ رصاصات مخزن سلاحه…فقرر أن يكمل ما بدأ به…واستمر بإطلاق النار على نفس الغرفة….على من يقترب لينقذ أمي»…

«لطالما ربتنا أمي على الطباع الجيدة…لطالما علمتنا حب التضحية…وألهمتنا أن نقدّم أنفسنا قرابين علّ المولى يقبلنا وإياها…لا أنسى عندما كانت تصطحبنا إلى المسجد …وتعطينا النقود لنضعها في صندوق التبرعات…في محاولة منها أن تعلمنا أن ما عندنا ليس لنا فقط…إنه للجميع…حتى دعواتها لم تكن لتبخل بها…لطالما تقاطعت تلكم الدعوات مع صوت آولئك السلميين الذين هتفوا للحقيقة…وبالحق خرجوا…فقد كانت تنظر إليهم من نافذة بيتها…وتغرورق عيناها بالدمع…وتتمنى لو تعيدها آلة الزمن بضع سنوات للوراء علها تلتمس من خطاهم درباً تسير عليه…أو ربما تطلب منهم أن يدلوها على درب الحرية…إذ سمعتها تتضرع للمولى أن تكون هي الفدية ليحيا هؤلاء الشباب أحراراً»…

هذا غيض مما حدثتني به ابنت الشهيدة…إذ آلمني ذاك المشهد..جريحة لا تدري أتروي لي ما سمعت من أصوات في تلكم المجزرة؟..أم تحكي طريقة استشهاد أمها؟.أم تستذكر خصال أمها؟..أم تداوي جراحها من طلقات ذاك القناص؟…أم تلملم ما بقي لها من طاقة من كل ما سبق؟…إذ راعني ذاك المشهد وطلبت منها أن تتوقف عن الكلام…فربما لبعض الوقت… يكون الصمت أبلغ من الكلام….

ولكن أمنا سمية لم تكن على علم أنها هي التي سترسم ذاك الدرب…وببياض ثوب صلاتها ستعلن بدء حياتها…وبتكبيرة الإقامة ستبدأ رحلة خلودها…فلك من المولى السلام…ومنا الدعاء بالرحمة والقبول…

تابعنا على تويتر


Top