وأد العدل شمال سوريا

a.jpg

فراس العلي

غابت العدالة في سوريا، نعم غابت واختفى معها معظم القضاة والمحامين والخبراء القانونيين، بعد تقليص دورهم عمدًا من قبل شيوخ فضّلوا تطبيق الشريعة الإسلامية في الوقت الراهن، باعتبار أنه لا يوجد بديل مناسب للقانون السوري المعتبر لديهم قانون الأسد.

تشكلت العديد من المحاكم المدنية في المدن التي خرجت عن سيطرة النظام في سوريا بادئ الأمر، وقام على إدارتها مختصون في القانون، ودعمتهم أجهزة الشرطة الحرة بالعمل والتعاون معهم فيما يخص التبليغات القانونية لأطراف الدعوى وحجز من تثبت إدانته وما إلى ذلك من أعمال أخرى.

كانت الأمور تسير على خير ما يرام، وانتشرت المظاهر المدنية في جميع المدن الخاضعة لسيطرة الثوار، لكن لم تلبث طويلًا حتى بدأنا نسمع بأجهزة الشرطة الإسلامية والمحاكم الشرعية التي امتنعت عن التنسيق مع المحاكم المدنية، ما أدى إلى إثارة فوضى في الاختصاص.

في ذاك الوقت كان المدّعي يعرض دعواه في المحاكم المدنية، فإن لم يعجبه الحكم يذهب بها إلى المحاكم الشرعية، ثم يقارن بين الحكمين ليختار أفضلهما. ظلّ الأمر على ما هو عليه فترة قصيرة إلى أن تشكّل مجلس القضاء الموحد في حلب، حيث اعتمد في مراجعه القانونية على القانون العربي الموحد المقر في العام 1981 بعد اجتماع وزراء عدل الدول العربية بمدينة صنعاء اليمنية، وإقرارهم “خطة صنعاء لتوحيد التشريعات العربية”.

بدأ المجلس بعمله وضمّ أكثر من قاض منشق عن النظام، لديهم خبرة كافية في إدارة جلسات المحاكم ومتابعة إجراءات الدعوى من مرحلة التحضير لها حتى التنفيذ، كانت التجربة ناجحة بما تعنيه الكلمة، لا سيما بعد إدخالهم قرارات جديدة، كإصلاح الجاني بدل الانتقام منه، فتم تشغيل الموقوفين ضمن أعمال مهنية لكسب قوتهم اليومي وهم داخل السجن، أما من لا يعرف مهنة معينة فجرى تدريبه ليتقنها لاحقًا.

لم يدم الأمر طويلًا حتى اقتحم فصيل عسكري منتصف تشرين الثاني من عام 2013 مقر المجلس في حي الأنصاري بحلب، معلنًا تغيير اسمه إلى القضاء الشرعي في محافظة حلب، وأدان أعضاء مجلس القضاء الموحد هذا العمل، متهمين الفصيل العسكري بسرقة الأسلحة الموجودة فيه وتهريب بعض السجناء إضافة للاعتداء على أحد القضاة.

ترك القضاة المنشقون عملهم واستلم مكانهم “مشايخ” لا يعرفون بتفاصيل الدعاوى المدنية، لتنتشر الفوضى في المجلس الذي أصبح اسمه “القضاء الشرعي”، وتنتشر الأحكام القانونية غير المدروسة بشكل كاف.

في الجانب الآخر تنتشر المحاكم الإسلامية في الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، ويقوم على إدارتها هواة كانوا يحلمون يومًا ما أن يصبحوا قضاة وجاءت فرصتهم.

في هذه المناطق يمكن لأي شخص أن يدّعي على آخر ويزوّر أي وثيقة ليُحكم له بالدعوى، ويمكن لأي امرأة أن تدّعي على مواطن ما وتتهمه بأي تهمة ليُحكم لها أيضًا، كما يمكن لأي شخص أن يلجأ إلى محاكم داعش ويعرض دعواه ليتم البت بها خلال وقت قصير.

الكثير من الأحكام التي تصدر عن قضاة داعش الشرعيين ليس لها أصل، وحصلت عدة مرات وهناك أكثر من مثال، كالقاضي أبو علي الشرعي، الذي عزله التنظيم وفرض عليه الإقامة الجبرية بعد ثبوت وجود 125 حكم إعدام قد أقرهم القاضي ظلمًا.

أبو علي الذي لا يملك أي شهادة علمية، كان من خريجي سجن صيدنايا، وبايع التنظيم بعد انشقاقه من جبهة النصرة، ليصبح أخيرًا قاضي القضاة في المحكمة الإسلامية بالرقة منتصف العام 2013، ويعتبر هذا الرجل صاحب أكبر سجل في إطلاق أحكام الإعدام في تنظيم داعش.

في المقابل تم إهمال أكثر من 75 قاضيًا حتى الآن؛ كانت المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار بأمسّ الحاجة لهم أكثر من المشايخ، الذين انتشروا بشكل كبير، فمن درس الشريعة الإسلامية مدة سنتين أصبح شيخًا، ومن حفظ بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أيضًا أصبح شيخًا، وباشر البت بأمور يجهلها.

أخيرًا في القانون هناك إجراءات روتينية لا يعرفها إلا المختصّون والمتعمقون بدراسة القانون بتفاصيله، وهناك من الشروط القانونية التي لابد أن تتوفر في الدعوى وإلا سترفض شكلًا أو مضمونًا.

لكن التساؤلات التي تُطرح حاليًا، من الذي سيقود سلك القضاء الحر في المناطق الخاضعة للثوار بعدما هاجر معظم القضاة والمحامين، ومن سيبت بأمور المدنيين ومشاكلهم بعد انسحاب التنظيم يومًا ما من المدن الخاضعة لسيطرته حاليًا؟!.

تابع القراءة:

 

 

 

 

ولقراءة الملف كاملًا في صفحة واحدة: قضاء سوريا المحررة.. ثلاث مرجعيات تنذر بتقسيم البلاد.

تابعنا على تويتر


Top