من صحفي سوري إلى مسؤول كندي: الجهات الدولية اختفت قسريًا وليس الضحايا

mansour2.jpg

قماش من قميص أحد المعتقلين، كتب عليها بالدماء والصدء أسماء معتقلين في سجون الأسد، أخرجها الصحفي منصور العمري معه حين أطلق سراحه

وجّه الصحفي السوري منصور العمري رسالة إلى غريغور روبرتسن عمدة مدينة فانكوفر في كندا، تحدث فيها عن محنة المعتقلين وتجاهل العالم لمعاناتهم، رغم أن أكثر السوريين بحاجة إلى المساعدة. سلّمت الرسالة الطفلة الكندية آدي تينولت، والتي تعمل وعائلتها في دعم اللاجئين السوريين ورواية قصصهم ومعاناتهم التي تسببت في نزوحهم من بلدهم.

نص الرسالة

17 كانون الأول 2015

عزيزي العمدة روبرتسون، “السوريون الذين احتجّوا سلميًا ورفعوا صوتهم ضد جهاز الدولة الوحشي يدفعون ثمنًا باهظًا لمطالبتهم بالحرية”.

أكتب إليكم كأحد ضحايا التعذيب وكصحفي سوري.

أولًا، أود أن أشكر آدي وأمها زارا لدفاعهما عن المستضعفين، وإعطائي فرصة إيصال هذه الرسالة إليكم، والطفلة والأم اللتان قدمتا لنا نحن السوريين أملًا في الإنسانية وألهمتانا أكثر من أي مسؤول دولي. هؤلاء المسؤولون الذين يعيشون على نفس الأرض، ويتنفسون الهواء ذاته مع ديكتاتور يقتل البشر، ولا يقولون شيئًا عن أجبن فعلٍ يمكن تخيله: دكتاتور يقتل المستضعفين الذين يحتجزهم تحت الأرض، جوعى ومرضى وضحايا للإرهاب اليومي، وكنهاية لمحنتهم يأخذ ما تبقى من مزق الحياة التي حافظوا عليها، تحت وطأة التعذيب.

موقف كندا الإنساني حكومة وشعبًا في مساعدة السوريين سيسجله التاريخ، والأهم من ذلك سيخلد داخل قلوب السوريين لأجيال قادمة، في الوقت الذي كان فيه صمت قادة العالم ووسائل إعلامهم الصارخ يطعن أعماق أرواحنا، وأسوأ من ذلك، تشارك بعض الحكومات في المسؤولية عن هذه الجرائم ضد الإنسانية من خلال دعم الحكومة السورية.

داهمت مخابرات القوات الجوية السورية عام 2012 المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، واعتقلتني مع 15 صحفيًا وناشطا مدنيًا. تعرضنا للتعذيب اليومي تحت الأرض.

سلط الضوء على قضيتنا جماعات حقوق الإنسان، ومن بين أولئك الذين قدموا لنا الدعم ودعوا إلى الإفراج عن فريق المركز كان وزير الشؤون الخارجية الكندي السابق جون بيرد، الذي قال في مايو/أيار 2013: “إن نضال مازن درويش وزملائه (حسين غرير وهاني الزيتاني وأعضاء آخرين) يرمز إلى كفاح الشعب السوري، الذي لن يتمكن النظام المستبد من إسكات أصواتهم. تقدّر كندا قيم الديمقراطية وحرية التعبير. ونستمر في شجب نظام بشار الأسد الحقير، وتاريخه الطويل في محاولة إرهاب معارضيه”.

نجونا جميعنا في المركز من الموت، باستثناء الطبيب أيهم غزول الذي تعرض للضرب حتى الموت. وما أضاف إلى ألم والدته (مريم الحلاق)، رفضُ الحكومة تسليم جثته لإخفاء الأدلة على التعذيب.

رغم أننا لانزال على قيد الحياة، إلا أن أحدًا منا لم يبق في وطنه، تبعثرنا في جميع أنحاء العالم للأسف، تركنا خلفنا رفاق الاعتقال…عشرات الآلاف منهم، لم يكونوا محظوظين كفاية مثلنا ليطالِب بهم العالم، لا أحد يتحدث عنهم. كنت محظوظًا ببقائي على قيد الحياة بعد احتجازي تحت الأرض وفوقها 356 يومًا، ولكني أتلقى خبر موتهم واحدًا تلو الآخر بين الفينة والأخرى.

أتذكر عندما نادى السجان على اسمي، لإخراجي من الزنزانة… تلقّت روحي حينها ذاك الصوت، رغم أن من نطقه كان من يقوم بتعذيبي وأصدقائي. تجمع رفاقي حولي، عانقوني وبكوا فرحًا، رغم أنهم لا يعرفون ما هو مصيري وإلى أين سيأخذني السجان، كانوا سعداء فقط لأني سأخرج من هناك، حتى لو كنت سأعدَم، فقد كانت تلك هي الطريقة الوحيدة لمغادرة الجحيم الذي كنا نقبع فيه.

لازلت أذكر دموع السعادة التي انهمرت على وجوههم، وكلماتهم الأخيرة لي: “أرجوك لا تنسانا، كما فعل الجميع، ساعدنا على الخروج”، تدق هذه الكلمات كل يوم في أذني مثل أجراس الكنائس، مثل أذان الصلاة.

تمكنت من تهريب أسمائهم التي كتبناها بحبر صنعناه من دم اللثة النازفة مخلوطًا مع صدأ القضبان الحديدية، على مزق من قميص أحدنا، خبأنا تلك المزق في كُمّي قميصي. الصحفي الذي خطّ هذه الأسماء وصلت أنباء عن مقتله في المعتقل منذ أشهر قليلة.

في كل مرة أنظر إلى تلك الوثائق، أشعر بألم الضعف في مواجهة الشر، لماذا نحن وحدنا؟ رغم أننا نحاول الدفاع عن القيم الإنسانية المشتركة، لإنقاذ أرواح الأبرياء من الموت في الاعتقال تحت التعذيب كما في القرون الوسطى. نحن بحاجة الى أن ننظر إلى العالم في عينيه ونسأل: ماذا فعلت عندما كانت هناك محرقة حقيقية تحرق الأبرياء أحياءً، وكنت تعلم ذلك؟.

أكتب وأنشر عن رفاقي السوريين الذين يعيشون تحت الارض منذ سنوات، باللغات العربية والإنجليزية، وبكل لغة استطعت الترجمة إليها، وأكتب رواية عنهم، أرسل تقارير إلى جماعات حقوق الإنسان، وأوصلهم بأسر الضحايا، وأعزي بعض العائلات. كرّست حياتي لمناصرتهم ومتابعة أخبارهم. ولكن في كل مرة أسمع عن موت أحدهم، أشعر كم أنا ضعيف، ألوم نفسي؛ أنا أخذلهم باستمرار، ولم أستطع أن أحفظ وعدي بمساعدتهم على الخروج.

فاسيلي غروسمان الصحفي الذي جمع بعض من الروايات الأولى لشهود العيان عام 1943 عما أصبح يعرف لاحقًا باسم المحرقة، قال ذات مرة: “إنه واجب أخلاقي أن نتكلم نيابة عن الموتى، نيابة عن أولئك الذين ضمّتهم الأرض في أحشائها”.

مع كل الأدلة والوثائق والروايات وشهود العيان وتقارير حقوق الإنسان ومطالبات الأمم المتحدة، وصور الضحايا المهربة، واعترافات الضباط المنشقين والسجانين … لماذا لا يفعل العالم شيئًا، ولا حتى يتحدث عن ذلك، كثير من الأسئلة تحتاج إلى إجابات.

نصيح بصوت عالٍ منذ سنوات: ماذا عن أولئك المغيبين تحت الأرض، هم الأولوية رقم واحد في سوريا، ولكن لا تزال قضيتهم غائبة عن جداول أعمال الجهات الدولية الفاعلة، تلك الجهات التي يبدو أنها هي من اختفت قسريًا وليس الضحايا! هل يحتاج العالم إلى مشاهدة بثٍ مباشر من زنازين الأسد، يبيّن تعذيب الناس حتى الموت من أجل أن يتحركوا!.

الكبيرة آدي

آدي، الطفلة ذات الأعوام الثمانية، والتي لا تمل في تقديم أي عون ودعم حقيقي للاجئين السوريين، تحدثت إلى عنب بلدي قائلة “أعتقد أنني أقوم بعمل شيء يمكن أن يغيّر حياة اللاجئين وحياة الجميع. أريد أن أدفع جميع الناس لمساعدة اللاجئين”.

كما تحدثت والدتها زارا، اختصاصية علاقات عامة وتهتم مع ابنتها بقضية اللاجئين “بدأت في المساعدة كجزء من تربيتي لابنتي، ولكني صرت أكثر اهتمامًا مع مرور الوقت، أصبح الأمر شخصيًا جدًا بالنسبة لي، وكذلك عندما أفكر في أولئك الذين يعانون، وأنهم لم يعودوا غرباء ببساطة بل أصبحوا أصدقائي، أخواتي وأخوتي وأطفالي.”

تقرير هيومن رايتس ووتش قبل أيام، أكد أن 7 آلاف سوري قضوا تحت التعذيب في سجون نظام الأسد، الأمر الذي يعتبره ناشطون سوريون رقمًا ضئيلًا بالمقارنة مع الصور التي سربها “قيصر”، أو حتى التي تكشف يوميًا، دون وجود آليات لإيقاف “الهولوكوست السوري”، كما أطلق عليه السوريون.

فيديو تسليم الرسالة:

تابعنا على تويتر


Top