دول الجوار أم دول الطوق؟

فادي القاضي

لا يتطرق مقالي، لا من قريب ولا من بعيد، لفكرة قديمة من تراث المقاطعة العربية لإسرائيل، أو ما كان يُسمى بذلك في المحافل العربية. وينصبّ اهتمامي هنا على فكرة أن الدول التي تربطها حدودٌ جغرافية مع سوريا، باستثناء العراق، حيث تنشأ دول مصغرةٌ وكيانات جديدة لا مجال لتناولها هنا؛ هي الإطار الطبيعي لما يُسمى بـ “دول الجوار”.

والجيران، في حالهم الراهن، ومنذ سنوات أربع على الأقل، ارتبطوا، برغبة منهم أو من دون رغبة، بإحداثيات المشهد السوري السياسي وبدرجات غير مسبوقة. وليس ملف اللاجئين والمُهجرين غير مثال واحد على تعاظم هذا الاشتباك، إلا أن في طيات هذا التشابك مسائل تحمل على الاعتقاد بأن الفكرة القائلة بكون دول الجوار تشكل  إطارًا حاضنًا لنشأة ونمو قطاعات مهمة في الجسد السوري المقبل عما قريب، ومنها الإعلام المستقل ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الفكر والثقافة؛ هي فكرةٌ مُضلِلة ومُضلَلة في آن واحد.

وهناك سببان لذلك، أولهما أن تطور ونمو وولادة هذه المؤسسات والمنظمات، في حالها الراهن، لم يكن نموًا “طبيعيًا” بمعنى استقرار نشأته في مكان وزمان طبيعي (الأراضي السورية)، والثاني، هو أن تطورًا من هذا النمط وفي هذه الظروف محكومٌ، ليس بعوامل سورية بحتة، بل على الأغلب متعلقٌ بمعطيات قانونية، واجتماعية، وسياسية ولوجستية تفرضها الدولة المُستضيفة (بحكم تواجد سوريين يشتغلون بهذه المسائل على أراضيها).

والحقيقة الثابتة حتى الآن، أن تركيا هي المكان الوحيد الذي تمكّن فيه السوريون ومن خلاله، ممارسة أنشطة ذات طابع مؤسساتي، مثل تكوين المؤسسات الإعلامية، وإصدار الصحف، وعقد الدورات والمؤتمرات، وافتتاح مكاتب ارتباط لمؤسسات إغاثية وإنسانية، وإلى غير ذلك. وقد يكون لبنان، في أزمنة سابقة، كان قد شكل الإطار الطبيعي لاحتضان أوجه العمل هذه، إلا أنه لم يعد كذلك منذ سنوات. أما الأردن، فقد اختار أن يُقفل هذا الباب تمامًا منذ البداية، وإن كان قد سمح في البداية لبعض المحطات الإعلامية المستقلة أن تنشط على أراضيه، وفق تصور في غاية الصرامة، إلا أنه لم يعد يقبل بذلك.

وفي تركيا، فالمسألة ليست سهلة. فبالرغم من عمل السوريين المرئي في إطار هذه المؤسسات، إلا أن ذلك قد لا يُغني ولا يُسمن، فالتسجيل القانوني والترخيص عبارة عن متاهة حلزونية لا تنتهي بنهاية الكون، ويتبعها معجزة افتتاح حساب بنكي، ويتلوها ملحمة الحصول على إقامة تُجيز العمل للأفراد، ويعقبها كل ما يمكن تخيله من تعقيدات مفادها ومختصرها أن وضع السوريين الرسمي هو وضع ضيوف لا أكثر ولا أقل.

ولا يذهب هذا المقال، لا سمح الله، إلى افتراض أن دول الجوار تفرض طوقًا (بمعنى الحصار والضغط) على جموع السوريين الراغبين في إعادة تأسيس وطنهم بالشروط والأدوات المتاحة الآن خارج مكانهم الطبيعي، إلا أن من الواضح أنها ليست معنيةً بهذه المسألة. لكن خلاصة المسألة، أن العاملين على مستقبل مدني وتعددي في سوريا، مُحاصرون، ومحصورون ومُطوقون.

تابعنا على تويتر


Top