الغلاء في كوكب سوريا فقط

كيف يتحايل السوريون على ظروفهم المعيشية؟

2-كيف_يتحايل_السوريون_على_ظروفهم_المعيشية؟.jpg

حنين النقري – عنب بلدي

تشير الأخبار كل يوم إلى أعداد من يموتون تحت عنف الأسد وبراميله، ولعلّ عداد الموت المتسارع هذا يجعلها تغض الطرف عن حال الأحياء “المتردي” من كافة النواحي.

لن نتحدث عن واقع المناطق المحاصرة من قبل النظام، فوضعها أسوأ من أن يحاط به، لكنّنا سنشير لسوء ما تعيشه المناطق التابعة لنظام الأسد بتسليط الضوء على الأوضاع المعيشية، هناك حيث يحذّر الوضع الاقتصادي المتهالك من أن تتبع ثورةَ الحرية والكرامة ثورةٌ أخرى للجياع.

الغلاء في كوكب سوريا فحسب

بحسب تصريح أمين عام جمعية حماية المستهلك، جمال السطل، لصحيفة الوطن في منتصف تشرين الثاني من العام الجاري، أكّد أن القدرة الشرائية للفرد تراجعت في سوريا بنسبة 80% عن عام 2011، وأن أسرة مكوّنة من أربعة أشخاص تحتاج 75 ألف ليرة سورية لتعيش بالحد الأدنى، غير متضمنة إيجار منزل.

ويتوافق تصريح السطل مع ما ذكره موقع مكتب الإحصاء المركزي الإلكتروني، إذ يشير إلى أن الرقم القياسي لأسعار المستهلك لأيار 2015 بلغ نسبة 430.2% محققًا تضخما سنويًا عن شهر أيار 2014 بمعدل 39.7%.

وارتفع الرقم القياسي لأسعار المستهلك من عام 2011 حتى مطلع عام 2014 بمعدل 178% حسب المركز السوري لبحوث السياسيات، ما يشير إلى تدهور أكبر وأسرع وتيرة في العام الأخير، تزامن هذا مع ما أكدته منظمة الإسكوا أن العملة السورية انخفضت بما يعادل 240% مقارنة بقيمتها في العام 2011.

قد يكون هذا التضخم والارتفاع في السلع الأساسيّة خاص بسوريا، إذ نشرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في موقعها الإلكتروني مؤشر أسعار الأغذية في نهاية عام 2015، مبيّنة أن أسعار اللحوم انخفضت عالميًا بنسبة 23%، وتلتها الحبوب والزيوت بانخفاض بنسبة 16%، ثم منتجات الألبان بنسبة 15%، ليكون السكّر في نهاية قائمة انخفاض الأسعار بنسبة 10%، وعزت الفاو هذا التراجع “تحت ضغط قوة الدولار ووفرة الإمدادات بشكل عام”.

أمام هذا الضغط المتزايد كل يوم يبدو استمرار السوريين في حياتهم “ضربًا من المستحيل”، فكيف يتحايلون على ذلك؟ وكيف يمكن للأسرة السورية أن تؤمّن متطلباتها في الداخل السوريّ مع هذه الأرقام؟

تأجير الأملاك

السيد أبو طاهر من حمص، يعمل في تنجيد المفروشات منذ طفولته في محل أبيه الذي بات له اليوم، بعد 20 عامًا من العمل المستقر توقّف عمله فجأة مع تصعيد العنف على حمص والاشتباكات في حيّه.

اعتقد الرجل أن توقف عمله مؤقتٌ، إلا أنه استمر ثلاثة أعوام استنفدت جميع مدّخراته، ويقول “مع بداية عام 2015 شعرتُ باستحالة استمرار الحياة على هذا الشكل، محلّي مغلق وأنا في منزلي مع زوجتي وأبنائي ومتطلباتهم، لا بدّ من فعل شيء أوقف فيه تراجع أوضاعنا المعيشية”.

قرر أبو طاهر العودة للعمل، لكنه يحتاج لتعويض خسائره ليتمكن من الاستئناف مجدّدًا، وهنا كانت فكرته “عرضتُ محلي للإيجار، إذ بدأ بعض التجار بالعودة للسوق لاستعادة ما يمكن استعادته وبعضهم يحتاج مكانًا لاستئناف عمله… الحمد لله أجّرته مباشرة”.

لم يكتف أبو طاهر بهذا، فهو الآن بحاجة لمكان يمارس فيه مهنته، ويشرح لنا “منزلي بجوار محلي في الطابق الأرضي، قمت باقتطاع حديقة المنزل وجزء منه وفتحت له واجهة على الشارع العام، قسمت هذه المساحة إلى محلّين أجرت أحدهما وبدأت العمل في الثاني”.

يضيف أبو طاهر أن دخله اليوم لا يعادل جزءًا من دخله في الأيام الخوالي، إذا ما قارنّاه بقيمته بالدولار، لكنه يضيف “الحمد لله، مستورة، لا يمكن أن نقعد مكتوفي الأيدي وننتظر الفرج، وشيء أحسن من لا شيء”.

بيع مخزون الذهب والعودة إلى الأرض

بيتٌ خاص وسيارة لتوزيع المنتجات الكهربائية على الوكالات يعمل عليها أبو يمان، هكذا كان حال العائلة في حمورية بريف دمشق، واليوم وجدت العائلة نفسها في منزل مستأجر نزحت إليه في إحدى قرى ريف دمشق.

تقول أم يمان “مررنا بأوضاع صعبة لا يعلمها إلا الله، علمنا أن بيتنا في الغوطة قُصف منذ عامين، والسيارة مازالت في الغوطة المحاصرة بعد أن خرجنا بثيابنا منذ أربعة أعوام، اضطررت خلالها لبيع كل صيغتي الذهبية لنعيش منها”.

وتضيف أم يمان أن العائلة قصدت منطقة قروية في ريف دمشق لانخفاض أسعار المنازل فيها مقارنة بدمشق، “ندفع أجرة غرفتين متواضعتين هنا 15 ألف ليرة سورية، ورغم كون البيت من دون بلاط للأرضية أو دهان للجدران إلا أنه يعتبر رخيصًا مقارنة بأماكن أخرى، لا يمكننا استئجار متر مربع في دمشق بهذا السعر”.

بدأ أبو يمان بالبحث عن عمل، واستفاد من خبرة أم يمان بالطبخ ليعمل في مطعم للفول والفلافل براتب بالكاد يسدّ أجرة المنزل الشهرية، لذا قررت أم يمان زراعة الأرض أمام منزلها بخضراوات موسمية بعد استئذان صاحبها، تقول “لم أقم بهذا من قبل، لكننا كنا بحاجة ولأجل ذلك تعلمت، زرعت البندورة والفليفلة والباذنجان والبقدونس والبصل، زرعت كميات قليلة مما نحتاجه من خضراوات يوميًا، لكن هذا كان دعمًا كبيرًا لنا في مصروف المنزل”.

تقول أم يمان إن التوفير أكبر من المتوقع، وتشرح “كيلو البندورة تجاوز الـ 150 ليرة سورية، الخيار والباذنجان كذلك وأحيانًا أسعار هذه الخضار تفوق الـ 200، البصل وصل لـ 100 ليرة للكيلو الواحد، وكيلو الفاصولياء قارب 500 ليرة سورية، فكيف يمكن الاستمرار بالعيش مع 5 أطفال أمام هذه الأسعار دون أن نجد حلولًا بديلة؟”.

الدولار الضامن الأخير

أبو محمد شاب من حماة في أواخر العشرينيات، تخرج من جامعة دمشق في نفس الوقت الذي توفّي والده بداية الثورة، يقول أبو محمد “تغيّرت حياتي كليًّا بشكل سريع وغير متوقّع، توفّي والدي بعد اكتشاف السرطان في جسده بشهرين، ووجدتُ نفسي فجأة معيلًا لأسرة كاملة، ليس لديّ أخوة شباب أتعاون معهم، غدوت المسؤول الوحيد عن عائلة من أربع شقيقات وأم، إضافةً إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية الذي نعيشه”.

فُرز أبو محمد بوظيفة في إحدى دوائر حكومة النظام، لكنّ راتبها لا يكاد يكفي ثمن “ربطات الخبز” على مدار الشهر حسب تعبيره، وهنا بدأ بالتفكير بما يرفد معاشه ويؤمّن حياة كريمة لأسرته، يشرح لنا “في منتصف عام 2014 جمعت إخوتي وأمي، وطرحت المشكلة عليهم لنجد حلولًا ترفع عن كاهلي قليلًا من المسؤولية والهمّ”.

اقترح أبو محمد على نساء عائلته أن تبيع كلّ منهنّ صيغتها الذهبية، ليقوم بصرف ثمن هذه الصيغة إلى الدولار، يضيف “لم تمانع أمي أو أخواتي بالطبع، لكن ثمن مجوهراتهن لم يكن كما أتوقع أمام انهيار الليرة السورية وخسارة جزء من ثمن الذهب كونه مستعملًا، بالكاد اشتريتُ بالمبلغ 3000 دولار، مع ذلك أرى أنه أفضل من بقاء الذهب في الصناديق دون فائدة”.

بدأ أبو محمد بتشغيل المبلغ في مشروع يديره صديقه في تركيا، ويقول “لم أستلم على الفور أرباحي، بل قمت بمراكمتها على المبلغ الأصلي لتزيد نسبتي، الحمد لله بدأت أشعر اليوم بأن هذه الخطوة كانت صائبة، على الأقل جمّدنا القيمة الشرائية لما لدينا بتحويله للدولار”.

يجهد السوريون اليوم بشتى الطرق للتحايل على ظروفهم المعيشية، في ظل حرب يدفعون ثمنها من أرواحهم ودمائهم وأموالهم، ورغم أن النماذج التي استعرضناها هنا استطاعت تخفيف حدّة بعض الظروف إلا أنّ هذا لا ينفي قصص مئات الآلاف ممن لا تتيح لهم أوضاعهم هامشًا مماثلًا للمناورة.

تابعنا على تويتر


Top