الكلام الكبير

ملاذ الزعبي

بعد فترة وجيزة من انطلاق الثورة السورية، بل وربما بالتزامن مع انطلاقها، بدأت موضة من العبارات المنمقة البلاغية تشهد رواجًا واسعًا على صفحات التواصل الاجتماعي وفي النقاشات الفعلية اليومية التي كانت تدور عن الثورة والسياسة والمعارضة والنظام وما إلى ذلك. عبارات كانت نظرة ثانية، بل وأولى في كثير من الأحيان، كافية لمعرفة أنها ليست ذات معنى.

هكذا راجت، ومازالت رائجة، عبارات من شاكلة الثورة التي لا تضع الإنسان نصب أعينها ليست ثورةأو النظام سقط أخلاقيًا منذ اليوم الأول، ومن ثم الثورة خسرت رهانها منذ أن فقدت تفوقها الأخلاقي على النظاموالإسلام سبيلناوالديمقراطية التي ستأتي من دعم مشيخات الخليج ليست ديمقراطيةوالمرأة هي الحل والحل هو المرأة وإيييييييييييييييييييييه“.

 كانت هذه العبارات ربما منطلقة من المخزون البلاغي البعثي المليء بالشعاراتية الفارغة من أي مضمون، ولكن ذات الوقع الجميل على الأذن والمليئة بالكلمات الكبيرة والفخمة والجعجعة بلا طحين، فنحن مثلًا رددنا لعشرات السنوات أننا أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدةولم نتوقف يومًا لنسأل أنفسنا هل نحن أمة فعلًا وهل هي واحدة، وما هي هذه الرسالة الخالدة؟ وهل ثمة رسالة خالدة أصلًا؟

لم يؤد انتشار هذه العبارات إلى انتشار ابتذال في العديد من المقاربات والخطابات المتعلقة بالثورة السورية ووضعها المركب والمتشابك فحسب، بل أسهمت في تشكيل طبقات من ضباب سميك أحاط بأوضاع الثورة والقوى الاجتماعية المشاركة بها والأوضاع السياسية والاقتصادية السابقة لها والتالية لاندلاعها، وأعاق بالتالي التفكير في شؤونها وشجونها المستجدة، وفي الظروف الواقعية المحيطة بها، وساهم أحيانًا في التشويش عليها أمام رأي عام وخاص سوري وغير سوري، خاصة وأن العديد ممن سكّ هذه العبارات ونحتها واحتفى بها كان يمثل الثورة والسوريين في محافل دولية ووسائل إعلام وندوات واجتماعات مفتوحة ومغلقة.

كان الكلام الكبيرهذا في بعض الأحيان وسيلة دفاع ذاتية أمام شعور بالعجز وقلة الحيلة وفي أحيان أخرى لم يكن أكثر من جَلد ذاتي، لكنه في معظم الأحيان، وهذا هو الأهم، كان خطابًا للتمايز عن قطاعات عريضة في الثورة السورية.

تابعنا على تويتر


Top