ما الذي يريده بوتين مقابل الأسد أكثر مما حصَل عليه؟

الولد الذي أحضر العالم إلى بوتين

حذامِ زهور عدي

عام 2012 وقبل أن ينتهي العام الأول للثورة السورية، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “لسنا قلقين بشأن مصير الأسد، ونحن نفهم مسألة عائلة واحدة بقيت في السلطة لمدة أربعين عامًا، وأن هناك حاجة ملحة للتغيير”.

تفاءل المعارضون بهذا التصريح وأحبّت القيادة السياسية للثورة، وقتذاك، أن ترد التحية بأحسن منها، فأرسل المجلس الوطني وفدًا لمقابلة وزير الخارجية، لافروف، لتطمين الروس على مصالحهم في سوريا المستقبل، لكنهم فوجئوا بالموقف الحاسم للسياسة الروسية بالتأييد المطلق للأسد ونظامه، وكان الرد “العلاقات الدولية علاقات مصالح لا عواطف فيها، ونحن أعلم بمصالحنا منكم”.

منذ ذلك الوقت التقط بوتين بعين خبيرة أهمية المساومة على ورقة الأسد، وقرأ المشهد السياسي جيدًا، الحليفة إيران المناوئة للغرب تتمسك بالأسد الذي يتيح لها الوصول إلى البحر المتوسط، كما يتيح تصدير أيديولوجيتها والتحكم بالشرق الأوسط كدولة كبرى. دول الخليج بالمقابل لا يمكن أن تصمت أمام الاختراق الإيراني لأمنها القومي بعد أن ذاقوا ويلات التفجيرات المتتالية في الكويت والبحرين والسعودية، والتي أفضى التحقيق بجميعها إلى حزب الله المرتبط بإيران، والسطو على الجزر الإماراتية وورطة اليمن أخيرًا وليس آخرًا.

الغرب ينتهج سياسة سلبية وخاصة أن المنطقة تراجعت أهميتها بالنسبة للقيادة الأمريكية، هذا عدا عن أن أوباما نجح مرتين بقيادة بلاده من خلال برنامج إصلاح اقتصادي يبتعد فيه عن التورط بالمنازعات والحروب الإقليمية؛ وعليه، أوروبا لن تتفرد بموقف جدي حاسم بدونه، ومايزال الإحساس بغدرهم له في ليبيا يحتاج إلى الثأر.

أما خلفية المشهد السياسي فهي كره بوتين ونظامه للديمقراطية والثورات، وتشابه نظامه والنظام الأسدي، وخوفه من إمكانية تفلت المقاطعات الإسلامية التابعة للاتحاد الروسي إن نجحت الثورة السورية، مع عزل الغرب لروسيا، وتفرد الولايات المتحدة بقيادة العالم.

أما الحركة الصهيونية، الشريك الاقتصادي لبوتين، فيهمها تدمير سوريا، جيشًا وشعبًا ومجتمعًا واقتصادًا، فلماذا لا يستفيد بوتين من هذا التشخيص ويعيد لروسيا زخمها السوفييتي وينقذ اقتصادها، ويُرجع العالم إلى أيام الحرب الباردة، عندما كان العالمُ عالمًا متعدد الأقطاب بدل أن يكون كما هو اليوم عالم القطب الواحد؟ وإن نجح بسياسته تلك فسيكون البطل القومي الروسي والقيصر المنقذ، وربما سيستعير شعار “بوتين للأبد” لولا عثرة الإيقاع.

بدأ بوتين بمساومة إيران والمالكي التابع لها على ثمن الأسلحة المصدرة للأسد، ولم يقبل أن يُسدد الثمن إلا فورًا، وبدأت ملايين العراق، بدفع من إيران، تصب في موسكو لقاء الفيتو الروسي على أي قرار قد يتخذه مجلس الأمن ضد الأسد، وضَمن، إيرانيًا، عقودًا متعددة للشركات الروسية.

ثم بدأت سلسلة من المساومات السرية الخليجية من أجل أن تساعد روسيا في زحزحة الأسد (رأس الحربة الإيرانية )، مقابل عقود شراء أسلحة وبضائع أخرى بمليارات الدولارات. وقد سهّلت المواقف المترددة الأمريكية التي لم تستجب للتخوفات الخليجية، تلك الصفقات الثمينة.

لكن كما بدا فإن طمع بوتين لم ينته، وخاصة أنه يكتشف يومًا بعد يوم إصرار الشعب السوري وحلفائه الخليجيين والإقليميين على إزاحة الأسد، فرفع سعره ثانية نحو تركيا الأطلسية، التي يستطيع مساومة قيادتها أيضًا وإبرام عقود تجارية ضخمة مع تعهد بأن لا يسمح لأنابيب الغاز القطري أو الإيراني بالمرور في أراضيها حتى لا يؤثر على الغاز الروسي، الذي تُمسك روسيا به رقبة أوروبا الشرقية وإلى حدٍ ما الغربية، لكنَ تركيا تلكأت في إعطائه التعهد بسبب ارتباطها بالناتو.

في غضون ذلك فتح بوتين جبهة أخرى بأوكرانيا واستولى على شبه جزيرة القرم، وكان سعيدًا باقتصار العقوبات الغربية على الوضع الاقتصادي، إنه يفرض المبادرة السياسية والعسكرية ويترك للآخرين ردود فعلهم التي حسبها جيدًا مسبقًا.

عاد إلى السعودية مرة أخرى يساومها على رفع سعر البترول ليسدد التراجع الاقتصادي الذي سببته العقوبات الاقتصادية الغربية، متمسكًا بورقة الأسد، لكنَ السعودية، في هذا الأمر، ليست حرة التصرف تمامًا كما في غيره، فتوجه إلى إيران بعد الاتفاق النووي ليؤمّن على الاستثمارات الروسية من جهة، وليكون له نصيبٌ من الأموال الإيرانية التي سيفرج عنها الغرب من جهة ثانية، وليحاول توظيف نفوذها بالعراق لإدخال الشركات الروسية إلى العراق، لكنه فشل في محاولته الأخيرة فلا إيران ولا الأمريكيون سمحوا له بدخول العراق، وهكذا ماتزال ورقة الأسد صالحة لمتابعة المساومات.

وجد بوتين أن ردود فعل الغرب على ورقة الأسد لاتدر عليه كبير ربح، فصعّد القتل والتضييق على من بقي من السوريين في وطنه، بالاتفاق مع إيران والنظام ليضغط بمسألة اللاجئين على أوروبا فتسرع بالمساومة، ولن يكتفي بغض نظر الغرب عن كل ما كسبه منهم؛ فقرر أن عملًا دراماتيكيًا قد يُحرك السوق ويزيد المزاد، وأن غزوًا عسكريًا واضحًا لسوريا يفي بالغرض، والمبرر حاضر فماتزال ورقة الأسد في يده، وداعش الذي استنفر العالم لمحاربته، فلِمَ لا تنخرط روسيا أيضًا بالحرب عليه؟ وهكذا رجع للمربع الأول (سوريا)، وفرض وجودًا يضمن هرولة الغرب والشرق وإعادته إلى صدارة المسرح السياسي الدولي.

والسؤال اليوم: ما الذي يريده بوتين مقابل الأسد أكثر مما حصَل عليه؟

هل يريد فك حصار الغرب الاقتصادي عنه وتثبيته في القرم وأوكرانيا؟

هل يريد نزع الصواريخ النووية المحيطة بروسيا؟

هو يعلم تمامًا أن تلك المطالب أكبر بكثير من ورقة الأسد مهما كان ثمنها، وإن لم يقبل اليوم التنازل في المساومة، فسيغرق في مستنقع لن يجني منه إلا الخسائر المتتالية بل قد يخسر كرسيه بعدها فالمعارضة الروسية له بالمرصاد، وخيرٌ للمقامر أن يخرج من اللعبة بما يملك من الربح قبل أن تبدأ الخسائر.

أما الأسد نفسه الذي أعطاه بحماقته وعناده وتمسكه بالكرسي هذه المكاسب، فمايزال بوتين يستطيع أن يأخذ منه لقاء خروجٍ مشرفٍ آمن له ولأمواله ولمن يحيط به، ولأموال آل الأسد الموظفة في شركات روسيا البيضاء.

فهل هناك ثمن لكرسي حكم أغلى مما حصل ويحصل عليه بوتين لقاء الإفراج عن الشعب السوري؟ وترحيل الأسد؟

لقد عرف بوتين تمامًا ما تعنيه امتلاك ورقة الأسد عندما ردَ على سؤال، كما نقلت مواقع موالية للنظام عنه، لماذا تتمسك بالأسد؟ قال: ولماذا لا أتمسك به وقد جلب العالم إلي.

تابعنا على تويتر


Top