خطر اسمه المدرسة !

جريدة عنب بلدي – العدد 47 – الأحد – 13-1-2013

27

عتيق – حُمص

ربّما لا يكون الدمار (الجزئيّ أو الكليّ) الذي أصاب مئات المدارس تقريبًا على امتداد الجغرافية السوريّة هو الأسوأ ممّا أصاب السلك التدريسي، فهذا الدمار الخارجيّ ما هو إلا انعكاس لفكرة لم تطبّق كما يجب، حسبما يقول مالك بن نبي، إذ الفكرة (حسب قوله) إن لم يبلورها صاحبها بشكل متقن ويعمل على تنفيذها كما يجب، فإنها تثبت فشلها في الواقع الماديّ لاحقًا.

لقد أساءت المدارس الحاليّة (ليس في عهد الأسد فحسب، وإن كان وضعها في عهد الأسد أوضح وأجل)، إلى فكرة التعليم أيّما إساءة، وأساءت إلى أجيال بكاملها!

ثلاث صفعات قاسية وجهتها المدرسة (التي تمثّل الثقافة السائدة) إلى أبنائها من الطلاب (وكنتُ قد تحدّثتُ مسبقًا عن صفعات أخرى في مقالٍ سابق). أمّا الأولى فهي قتل الإبداع.

ما هو الإبداع؟ هو الإتيان بالجديد أو تعديل القديم.

وكيف يمكن تحقيقه؟ عبر محاولات ومحاولات كثيرة جدًا، يفشل معظمها، حتى تنجح الفكرة الإبداعيّة وتتمثل واقعًا بعد أن كانت حلمًا.

بعبارة أخرى: الخطأ والمحاولات الفاشلة هو الأساس السلوكي للإبداع.

لكن كيف تتعامل مدارسنا مع الخطأ والمحاولات الفاشلة؟ يقوم النظام الامتحاني على مبدأ «الدرجات» التي تقيّم «الصواب» فقط لدى الطالب، والطالب الذي يحوز أكبر إجاباتٍ صائبة هو الطالب الأكثر تقديرًا وتفوقًا، الخطأ والفشل هي أشياء سلبيّة لا تعني المدرسة، ما يعنيها هو النجاح والإجابات الصائبة.

تقتل المدرسة عند الطلاب التفكير الحرّ، وذلك بسبب أن النظام قائم على الأسلوب التلقيني، ممّا يخلق عقلًا اتكاليًا ينتظر إجابات المدّرس، أو تصحيح الإجابات (لأنّ من يمتلك الصواب المطلق في الصف هو الأستاذ، الذي عليه يجب أن يقيس الطلاب إجاباتهم)، حتى الأسئلة التي هي من قبيل (ما هو رأيك؟ / ما مشاعرك؟ / لو كنتَ مكان المؤلّف…) يجيب عنها المدرّس ليعطي صوابه لعموم الطلّاب.

إنها القولبة، الجميع يجب أن يدخلوا في قالبٍ واحد، ومن يمانع ويعاطل الدخول في قالب المدرسة يسمى «فاشلًا»، «كسلان»، يؤنّب دومًا، ويسمع أقذع الكلمات في حق شخصيته! لأنّه متهم بجريمة كبرى، إنه لا يطيع القوانين، إنّه يريد أن يخالف ما يراد منه!

الجريمة الكبرى ستكون مجرد التشكيك في جدوى ما نقوم به، أو التبخيس بقيمة الكتاب المدرسيّ «المقدّس»، أو طرح سؤال محرج لأستاذ لا يرضى أن يفكّر أحد بطريقة تهز ثقة الطلاب بما يدرسون!

النتيجة الأخيرة لذلك، هي تأخير نضج الطلاب!

يتخرّج الطلاب بعد ثمانية عشرة عامًا دراسيًا، وغالبيتهم تسيطر على تفكيرهم قضايا سطحيّة، ولا يمكنهم إبداء رأي مستقل في قضيّة ما، هناك ضياع فكري، عدم فهم للدين، تشوّه في إدراك الهويّة، تقديم مفردات مجتزأة من ثقافة لا تنبي مجتمع حضاريًا (السيف أصدق أنباءًا من الكتب!! أتذكرون؟).

يتخرج الطالب من المرحلة الثانويّة وهو تائه، لا يدري ماذا يريد؟ ماذا يدرس؟ ما الذي يحبّ دراسته؟ ما الذي يجب أن يحيا وفقه؟ ماهي مبادئه العظمة؟ ما هدفه؟!!

حيرة فكريّة شديدة!

ويتجلى عدم النضوج النفسي، في الكثير من المشاكل الاجتماعيّة، مع الأهل، والأصدقاء، وعشرات المئات من قصص الحب التي تذوب لقلّة نضج في الشخصيّة.

بينما يفترض القرآن أنّ سنّ الرشد هو سنّ البلوغ! في حال لو تلقى الفرد تربيته وثقافته بطريقة قرآنية لا مدرسيّة.

لذي نحتاج إليه (في عالمنا العربي، بل العالمي!) هو أسلوب ونظام تعليمي جديد، يختلف جدًا عن كل ما نعرفه.

تابعنا على تويتر


Top