أنت أو سرقة ممتلكاتك

فوضى “التعفيش” في دمشق تنهك المواطنين

sunna-souk.jpg

بيلسان عمر – ريف دمشق

لم يعد غريبًا أن نسمع عما يقوم بها عناصر “الجيش العربي السوري” وقوات النظام الأمنية، من سرقة ممتلكات المناطق التي هجرها سكانها تحت وطأة آلة الحرب، والإتجار بها في أسواق مختلفة من المناطق الآمنة، وبأسعار زهيدة، وكثيرًا ما تواردت قصص عن أشخاص وجدوا “عفش” بيوتهم في تلك الأسواق، وقاموا بشرائه.

لتنقسم البلاد بين مناطق معارضة للنظام السوري مصدّرة لهذه البضائع، ومناطق موالية له مستوردة لها، ولتبقى وسيلة اقتصادية يحفّز بها النظام أتباعه ومواليه وضباط جيشه لضمان الاستمرار في تأييدهم له، دون أن يخفي البائع مصدر مواده، في ظل معرفة الشاري ذلك.

سرقة محبوكة

باتت الطريقة التي يتبعها النظام السوري في اقتحام المناطق الثائرة شبه ثابتة، فغالبًا ما تبدأ القصة بقصف المناطق بالأسلحة الثقيلة، وتقوم ميليشياته بنشر حواجز أمنية في مختلف الطرقات ومداخل المنطقة، مع زرع قناصين في مختلف الأركان، وتبدأ المداهمات للمنازل وقتل المدنيين في بيوتهم والطرقات، والطيران الحربي يحلق في السماء، راميًا ببراميله المتفجرة، في وضع محكم الإغلاق على الأهالي، إذ لا مفر أمامهم سوى “النزوح”، وترك كل أحلامهم وممتلكاتهم، ليتعرض من خرج منهم إلى الاعتقال، أو الإعدام الميداني، وينجو ثلة آخرون، وبعد هدن “مزعومة” في بعض المناطق تسمح للأهالي بعدد محدود من الساعات ليدخلوا منازلهم ويأخذوا ما يريدون، فيحملون ما خف وزنه وغلا ثمنه.

وبعدها تبدأ عملية “تمشيط” المنازل والمحال التجارية والمخازن، و”تعريتها” من كل ما فيها، إما بشكل فردي من الضابط المسؤول وعناصره، أو استثمار بطريقة “الضمان” لحي بأكمله بما فيه، من قبل تجار لهم اسمهم في البلد، ليرقب أهالي تلك المناطق السيارات الخارجة من بيوتهم محملة بكل ما يملكون.

من الملعقة حتى طلاء الجدران

وتشمل المسروقات أدوات المطبخ من ملاعق وصحون وأوان وكؤوس وفناجين، وصولًا إلى قدور الطبخ بشتى أنواعها (الستيل، الألمنيوم، الخزف، النحاس، الزجاج)، مرورًا بالأدوات الكهربائية، وقطع الأثاث المنزلي، ورؤوس الماشية، والثياب الجديد منها والمستعمل، وكذلك يقومون بفك الأبواب والنوافذ والتمديدات الكهربائية والصحية، وممتلكات المحال التجارية على اختلاف أنواعها، ولو أمكنهم تقشير طلاء الجدران لما توقفوا، بحسب الأهالي.

قصص حقيقية عاشها أبناء الريف الدمشقي

يروي أبو محمد من المليحة “دخلت وأختي بعد الهدنة، وجلبنا ما أردنا، وعند خروجنا وعلى أول حاجز خيرونا بين أن ننجو بأرواحنا، أو بما نحمل، فتركنا ما أخرجنا دونما حتى نظرة وداع أخيرة لبيوتنا”.

بينما تقول السيدة أم سمير، المهجرة من داريا، إنها دخلت إلى بيتها في داريا جانب جامع البشير برفقة زوجها، عبر “طريق تالت” في اللوان، وفوجئت بأنها لم تجد شيئًا فيه، وكانت بيوت جيرانها “عالعضم من كتر النهب”، لكن السيدة كانت قد دفنت قطعًا من الذهب في حديقة منزلها، لم تنته من إخراجها حتى وصل أحد جيرانها وتبعه عناصر الأمن “وبلشوا تهديد فينا، وطلع جارنا عوايني معهم، وأخدوا لي كل شي ذهب طالعته، حتى المحبس شلحوني ياه … تركونا بأعجوبة، بعد ما أخدوا كل شي منا”، ولم ينته الأمر عند ذلك، ففي طريق الخروج من المدينة أوقفهم حاجز مفرزة اللوان واعتقلوا زوجها.

أما سليم، فيتحدث بين الضحك والبكاء “بقيت ورفاقي في داريا بعد تهجير أهاليها، وكنا نشهد عمليات سرقة عناصر الأمن لممتلكات البيوت، وكنا نتسلل ليلًا إلى تلك المنازل ونحاول إخفاء ما بقي من الممتلكات، فمرات كنا نطمر الأدوات الكهربائية وجرات الغاز في حدائق المنازل، ومرات كنا نخرجها لمنازل تمت سرقتها وانتهى الأمر، ولا أنسى المروحة التي أصبحت لعبتنا، في المساء طمرناها، وفي اليوم التالي عند بدء جولة السرقة لميليشيات الأسد، عثروا عليها، أخرجوها، ولكن لكثرة ما يحملون تركوا المروحة للنقلة الثانية، جئنا وطمرناها مرة أخرى، وهكذا كنا نبكي مرات ونحن نحاول حماية الممتلكات، ونضحك مرات ونحن نلعب معهم لعبة القط والفار”.

المواطنون يشترون حاجياتهم المسروقة

يستثمر تجار الحرب وعملاء النظام هذه الأزمة، ليستغلوا حاجة المواطن “الدراويش” في ظل ارتفاع الأسعار، فلا حل أمامه سوى المواد المستعملة، وبأسعار أقل من القيمة بشكل كبير، فلك أن تشتري براد “الحافظ” جديد بـ 20 ألف ليرة سورية، في وقت وصل ثمنه وهو جديد لما يزيد عن مئة ألف، كما يمكن أن تشتري سيارة محملة بعفش كامل بـ 40 ألف ليرة.

وينقسم الناس بين شار لهذه المواد المسروقة، بحجة أنه “إن لم تشتريها فيسشتريها غيرك”، رغم معرفتهم بمصدرها، وبين رافض للشراء تمامًا، بينما يؤكد بعض موالي النظام على ضرورة الانتقام من أهالي المناطق الثائرة حتى ولو بسرقة ممتلكاتهم.

أنت أو سيارتك

ومن استطاع من المهجرين إخراج سيارته من بيته، لم تسلم لأكثر من شهور من أيادي النظام، في تشديد أمني غير مسبوق على أهالي المناطق الثائرة، فالسيد أبو النور، أوقف على أحد حواجز دمشق، وطلب منه أن يركن سيارته جانبًا، وعندما لم يكن له يجدوا اسمه ضمن المطلوبين،اتهم أنه من داريا، فأدخل إلى المفرزة الأمنية، “كانت أشد لحظات حياتي رعبًا، اجتمع ما لا يقل عن 15 عنصرًا بمن فيهم رئيس المفرزة، وكل واحد بدأ يلقي كلمة وتهديدًا، بين ضحكات وقهقهات تنخر عظامي حد الألم، وفي النهاية خيروني بين حريتي وسيارتي، بتهمة أنني خارج بها لتوّي من داريا، رغمًا أن عقد إيجار بيتي بحوزتهم، ويرونني يوميًا وأنا ذاهب لعملي، وفعلًا أخذوا سيارتي”.

يدفع أجرة سيارته

يضطر مالكو الأراضي الزراعية في الغوطة الغربية إلى استئجار سيارات لنقل منتجاتهم الزراعية إلى أسواق دمشق الاستهلاكية، ليس سيارات فحسب بل سائقين لها، حرصًا على أنفسهم من الاعتقال، وعلى سياراتهم من السرقة، فكثيرًا ما سرقت سياراتهم “البيك آب” من قبل عناصر الأمن والحواجز، لاستخدامها في نقل المسروقات من منازل المهجرين، أو لتثبيت “الدوشكا” عليها، وأحيانًا للهو والعبث بها، أو لسرقة قطعها وبيعها في أسواق الخردة.

أبو وائل، مقرّب من عناصر الأمن، يمر يوميًا على حواجز دمشق، ويلقى معاملة حسنة وتساهلًا ملحوظًا من العناصر، فيسمحون لسيارته بالعبور مع حمولتها إلى السوق دونما تفتيش، وإنزال حمولة عند كل حاجز، لكن لقاء دفع أجرة سيارته جيئة وذهابًا.

لم تعد أعمال السرقة الممنهجة لممتلكات المناطق الثائرة أمرًا خافيًا على السوريين، إذ أصبح “التعفيش” المصدر الرئيسي لأسواق بكاملها، اصطلح على تسميتها في المناطق الموالية بـ “أسواق السنة”. وبعيدًا عن دلالة هذا الاسم، الذي يوضح طبيعة الصراع في سوريا، رضخ المواطنون (الموالون والمعارضون على حد سواء) لهذا الواقع، وباتت هذه الأسواق ملاذهم الأكثر رخصًا في ظل التردي المستمر للأوضاع الاقتصادية في البلاد.

تابعنا على تويتر


Top