شرعنة الانتداب الروسي

أحمد الشامي

رغم القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي رقم 2254 بشأن الأزمة السورية، ما من جديد يدفع للظن بأن شيئًا ما قد تغير في التوازنات التي تحكم مسار المجتمع الدولي ولامبالاته بخصوص معاناة السوريين.

باختصار، نستطيع القول إن الجمل قد تمخض فولد فأرًا… روسيًا هذه المرة.

لنتذكر القرار العتيد رقم 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة والذي صدر عام 1967، من ينتظر أن يأتي اﻷمل من جهة “نيويورك”سوف ينتظر طويلًا.

القرار الأخير يجعل من محاربة “الإرهاب” حجر الزاوية في الصراع السوري، ويتجاهل تمامًا المجزرة التي تلم بالسنة منذ سيطرة تحالف الأقليات المشؤوم على مقاليد الأمور في سوريا. مئات آلاف السنة استشهدوا وهؤلاء الصعاليك في نيويورك لا يرون سوى “البغدادي” وأمثاله وعصاباتهم من المعتوهين! لا توجد أي إشارة لزعران الولي الفقيه ولا لميليشيات إيران الشيعية ولا أحد يريد محاكمة الأسد وزمرته وزبانيته… حتى الكيماوي لا أحد من أعضاء مجلس “اللا أمن” هذا يريد حتى التحقيق في جرائم الإبادة الشاملة التي يتعرض لها السوريون.

القرار صدر تحت الفصل السادس بما لا يبيح استخدام القوة لتنفيذه، لكن من قال إن القوة لا تستخدم في سوريا حاليًا؟ مئات الطائرات الروسية وآلاف الجنود القادمين من الشمال السيبيري وآخرون من إيران وأفغانستان ولبنان كلهم يغتصبون التراب السوري وبالقوة فماذا عن هؤلاء؟

القرار لا يكتفي بتجاهل مطالب السوريين المشروعة ويدوس على حقوقهم عبر شرعنة الاحتلالين الروسي والفارسي لكنه يغلف ذلك بكلام منمق، ربما يكون “أوباما” شخصيًا هو من نطق به، ويطالب بانتخابات تشريعية “خلال ثمانية عشر شهرًا” بالتمام والكمال وليس تسعة عشر شهرًا مثلًا… هذا كلام جميل، لكن ماذا عن تفكيك أجهزة القتل والدمار الأسدية؟ ماذا عن المهجرين ومدن السنّة المدمرة وعن تصويت اللاجئين في الخارج؟

لعل أسوأ ما في هذا القرار هو تجاهله لضرورة محاسبة المجرمين بحق الشعب السوري وأولهم نظام العصابة في دمشق بكل هيئاته، فدون محاسبة المجرمين لن ينتهي شيء في سوريا. حتى إن بردت المعارك قليلًا أو كثيرًا، لفترة قد تطول أو تقصر، إن لم تقم محكمة دولية بمحاسبة عصابة الأسد والوالغين في الدم السوري فسوف نرى تنويعًا جديدًا على السيناريو الرواندي القديم ولن يتوقف سفك الدماء مادام القتلة بمأمن من العدالة الدولية، أيًا كانوا وسواء كان اسمهم “البغدادي” أو “القرداحي”.

في النهاية، عزيزي القارئ لابد أنك أدركت أن القرار العتيد هو “هدية” عيد الميلاد يقدمها أعضاء “عصبة الأمم” لأنفسهم وليس للسوريين منها نصيب، فهذا القرار لا يقدّم ولا يؤخّر. المطلوب هو تقديم غطاء أممي لبلطجي “الكرملين” ومنح “شرعية” أممية للانتداب الروسي على سورية… نقطة على السطر.

“بوتين” يحصل عبر هذا القرار على اعتراف أممي بنفوذه في سوريا ويطلق “خطة طريق” فارغة تسمح لبوتين بالقول إن لديه مشروعًا سياسيًا، في حين أن الأمر كله بلطجة ببلطجة. “بوتين” يعتقد أن الفشل السوفييتي في أفغانستان كان بسبب الدعم الأمريكي للمجاهدين الأفغان وبالنسبة له مادام الأمريكيون يتجنبون المواجهة ويبحثون عن سبيل للفرار من الشرق الأوسط فلا داعي للقلق. “بوتين” يظن أنه سينجح فيما فشل فيه “بريجنيف” و”بوش” ﻷنه لا يتصرف كرئيس دولة بل كزعيم مافيا والمافيات تقيس نجاحها بالثروات التي تنهبها وليس بالمكاسب السياسية أو الجغرافية.

الرئيس الأسمر أيضًا سعيد بالقرار لأنه يجعل “بوتين” يغوص عميقًا في المستنقع السوري…

الباقون ممن صوّتوا لصالح القرار كانوا متيقنين أنه “كلام بكلام” ولا داعي لإزعاج رقصة التانغو الدموية بين بلطجي “الكرملين” ومنافق “واشنطن”.

تابعنا على تويتر


Top