محاولة لتفسير سلوك الشبيحة

جريدة عنب بلدي – العدد 48 – الاثنين- 21-1-2012

20

د. إحسان الحسين

الشبيحة هم جزء من شريحة اجتماعية استلبها النظام، عانت في تاريخها من عطالة اجتماعية واقتصادية، ومن مشاعر سلبية تمثلت بالكراهية وعدم الثقة والخوف من الآخر، تعيش في تجمعات سكانية منفصلة عن النسيج الاجتماعي، لم يحاولوا تشكيل ولاء عام للمجتمع، ولم يحرروا علاقات إنسانية حميمة تدخل ضمن هذا النسيج وبالتالي هم في حالة لاانتماء للتجمع السكاني العام.

يبدو أن هذه المجاميع أُعدت مسبقًا كما تعد عصابات المرتزقة والشركات الأمنية بدليل تواجدها السريع في المدن وممارسة عملهم الإجرامي المحترف منذ البدايات الأولى للثورة.

تميز هؤلاء الشبيحة المجرمون المحترفون بجملة من الخصائص والمواصفات:

١- الولاء للنظام والامتثال لأوامره.

٢- الاستناد الكامل على قاعدة النظام ماديًا وأمنيًا بحيث أصبح أحدهم لا يتصور البقاء في حال سقوط السلطة (الخوف من المستقبل).

٣- التشبع بمشاعر الكراهية من خلال التدعيم السلبي للبعد الطائفي وإثارة الماضي التاريخي (الخوف من الارتداد إلى الوضع السابق).

٤- الأداء العنيف والإجرامي القائم على حتمية حسم الصراع من أجل البقاء وذلك بتبني أقصى درجات العنف المنفلت المستبيح للآخر والممارس بغرائز ونزوات منفلتة من كل قيمة إيجابية بهدف إحداث صدمة للوعي والبيولوجيا تجعل الضحية بحالة شلل تام لا يرجو إزاءها إلا البقاء.

٥- يتميز هذا الأداء بميكانيكية وحرفية وبطقس احتفالي تتخلله النشوة والرقصات والعبارات الطائفية وعبارات الثأر وكأننا أمام طقس وثني صرف.

لقد دُرّب هؤلاء على الصعيد النفسي بحيث لا يعانون أثناء إجرامهم من أية مشاعر قلقة أو تأنيب ضمير، كما أنهم لا يعانون من الإعياء بسبب احتدام مشاعر الحقد والكراهية في نفوسهم اتجاه الضحية، إنهم يتعاملون مع المجتمع كما يتعامل الحرفي مع قطعة من المعدن، يتناولها بالطرق والتقطيع والحرق حتى يتمكن من إحداث تشكيل لأنموذج معين يبغيه، دون أن يشارك هذه المادة بأية أحاسيس أو عواطف.

إنهم لم يدخلوا النسيج الاجتماعي العام بعلاقات إنسانية حميمة قائمة على المحبة والتعاطف والمواطنة المشتركة فهم بحالة اغتراب كامل لاحتباسهم ضمن الولاء الخاص، أضف إلى ذلك تبنيهم للمنظومة الإجرامية القذرة التي ألزمهم النظام بها والقائمة كما أسلفنا سابقًا على العنف المفرط واستباحة الآخر بقتله أو صيده وسرقته والنزو عليه، وتخويفهم من الارتداد إلى حالة العطالة السابقة تاريخياً ومن العقوبة المترتبة عليهم مستقبليًا في حال سقوط النظام، كل ذلك جعلهم يمارسون القتل الوحشي ضد المجتمع كما تمارس الجيوش الغازية على مجتمعات أخرى معادية لها.

لقد فشلت كل استراتيجيات النظام في كسر إرادة الشعب وقدرته على الصمود والاستمرار ويعود السبب في ذلك إلى الحالة الثقافية الإسلامية التي تتمتع بها جماهير هذا الشعب والمتمثلة في إيمانهم بأن الله سبحانه وتعالى سوف يحق الحق ويبطل الباطل وأن قدرتهم على الصمود تستند إلى الصبر والمصابرة واحتساب الأجر عند الله عزّ وجل وتبني مفهوم الجهاد ضد الظلمة والطغاة والاعتزاز بالموت كقيمة يتشرّف بها المجاهدون ويستمتعون بها لأنها الشهادة،

النظام ليس لديه إلا أن يدفع باتجاه المزيد من الخسائر بحق المجتمع، والمواطنون ليس لديهم إلا خيار الصمود واستيعاب هذه الخسائر حتى وصلوا إلى اللحظة التي تمكنوا فيها من قلب هذه المتراجحة، وبدأ النظام يفقد سيطرته وقدرته وينكمش في مساحات محدودة مبعثرة على كامل محافظات البلاد وبدأت خسائره البشرية تتصاعد، لقد بدأ يشعر بالضعف والألم الشديد .

وأتساءل كيف لنظام مستبد يدعي أنه يملك القدرة المطلقة على قلب المعادلة بإحالة الأكثرية الساحقة إلى مجتمع عبيد وجعل الأقلية المستبدة أكثرية بممارسة العنف، مع العلم بأن ذلك مناقض لكل حقائق التاريخ والجغرافية والاجتماع والسكان، بل هناك استحالة في تثبيت ذلك؟

إن كل هذه الجهود الشعبية الجماهيرية ستنصب من أجل تصحيح الحالة الاجتماعية والسياسية وإعادتها إلى نسقها الطبيعي المتمثّل بالدولة الحرة التي تتسع للجميع وفق مبدأ المواطنة وسيادة القانون وحقوق الإنسان.

تابعنا على تويتر


Top