الأستاذ، الثائر، العريس… شهيدًا ، محمد شحادة «أبو يزن»

112.jpg

10

“أهلي وجميع أهالي داريا، ورفاقي المهجرين… عيوننا إليكم ترحل كل يوم”

هذا من آخر ما كتبه محمد فارس شحادة، أو «أبو يزن» كما يناديه أصدقاؤه. الشهيد الذي لم يغب عن ساحات الثورة منذ انطلاقتها وحتى آخر لحظات حياته.

محمد، البالغ من العمر 28 عامًا، حاصل على شهادة في الاقتصاد من جامعة دمشق، ومدرس في الثانوية التجارية في داريا، استشهد قبل أربعة أيام من موعد زفافه.

أبو يزن في الثورة

شارك محمد في أول مظاهرة خرجت في داريا بتاريخ 25 آذار 2011 برفقه العشرات من أهالي المدينة. كما كان من المشاركين في ما سمي وقتها بجلسات الحوار الوطني والتي عُقدت في المركز الثقافي بداريا في بدايات الثورة، وتناقش مع موفدي النظام، ودافع عن مبادئه وإيمانه بالتغيير السلمي.

ومنذ مشاركته في تلك المظاهرة لم يغب أبو يزن عن ساحة الثورة سوى خلال الأيام التي قضاها في سجون النظام بعد أن اعتقلته المخابرات الجوية في جمعة الحرائر في 12 أيار 2011. وداخل المعتقل تعرض محمد لتعذيب شديد ما أدى إلى إصابته بالكثير من الجروح، منها جرح في رأسه تمت معالجته دون تخدير، وهو ما كان بمثابة شكل آخر من أشكال التعذيب.

ورغم ذلك كله، لم يثنه الاعتقال عن المضي في الدرب الذي بدأه، فبعد خروجه من المعتقل عاد إلى النشاط الثوري بهمة أكبر وعزيمة أقوى. ووهب نفسه للثورة وترك كل نشاطاته الأخرى، محافظًا على روح النشاط السلمي في أفعاله وأقواله. فكان على الدوام بين المتظاهرين وكان مع عدد من شبان المدينة يتكفلون بالتجهيز للمظاهرات وإحضار مستلزماتها من إذاعة وأعلام ولافتات. كما كان يسعى لإخراج صوت المدينة على الإعلام وقنوات التلفزة، فكان يحمل كاميرته في المظاهرة ليزود الإعلام بصورها، وكان مديرًا في صفحة «عدسة شاب ديراني» على الفيسبوك.

أبو يزن كان أيضًا أحد أعضاء المجموعة التي أسست جريدة عنب بلدي مطلع العام 2012، وبقي عضوًا فيها أشهرًا قبل أن يتفرغ للنشاطات الأخرى وينسحب من فريق العمل، مفسحًا المجال أمام غيره للانضمام للفريق، واستمر في العمل كواحد من المراسلين الميدانين للجريدة، يزودها بالأخبار والتطورات الميدانية، وكان بالنسبة لها مصدرًا غنيّا بمعلومات الحراك وأحداث الثورة.

كان أبو يزن عونًا لرفاقه من الناشطين في المجال الإغاثي، لاسيما بعد مجزرة داريا الكبرى أواخر آب 2012، إذ كان يُمضي معظم وقته بحثًا عن العائلات المحتاجة ليقدم لهم ما يستطيع من عون ومساعدة.

كما لعب دورًا  أساسيًا في تنظيم حملة التنظيف التي شملت معظم شوارع داريا خلال شهر آب 2012، فكان يحضر المعدّات وأدوات التنظيف تارة، ويحمل المكنسة تارة أخرى ليكون قدوة لغيره من الشباب.

كما ساهم محمد بتأسيس المجلس المحلي لمدينة داريا، وشغل فيه عضوية في مكتب الحراك السلمي ليتابع نشاطه الثوري تحت مظلة المجلس.

طالبًا وأستاذًا12

تفوق محمد في دراسته، وكان من الأوائل على دفعته من الحاصلين على الشهادة الثانوية التجارية في العام 2004، فكان بين من دخلوا مباشرة إلى كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، ودرس فيها حتى تخرجه عام 2011 ليحصل على شهادةٍ في المحاسبة من كلية الاقتصاد. وأثناء دراسته عاد إلى مدرسته (الثانوية التجارية) التي درس فيها سابقًا ليقوم بدور المعلم، فدرّس فيها لمدّة خمس سنوات، قبل أن يضطر للتوقف بسبب ملاحقة رجال الأمن له، بعد مشاركته في المظاهرات التي خرجت في المدينة. كما كان جهره بالمطالبة بالحرية أمام تلاميذه، وحثه إياهم على المطالبة بحقوقهم وحق الشعب في الكرامة والحرية سببًا إضافيًا لملاحقة أجهزة الأمن له.

كان محمد محط إعجاب وتقدير طلابه الذين كانوا يرون فيه قدوة لهم. إذ كان واضح الموقف ثابت المبدأ، صاحب عقل نيّر وفكر منفتح ومنطقي، قائم على مبادئ الحق والعدل، معتدل الاتجاه، لم يحصر أفكاره بتيار ما بل كان يؤيد الصواب أين ما كان.

شهيدًا…

مع بدء الحملة الأخيرة لقوات النظام على مدينة داريا، والمستمرة منذ أكثر من شهرين والتي دفعت بمعظم أهالي المدينة للنزوح عنها، كان أبو يزن من بين الذين قرروا البقاء في المدينة، رغم الدعوات المتكررة له بالخروج منها ليقيم في دمشق، ورغم العروض الكثيرة التي تلقاها للعمل خارج البلاد.

وفي يوم الأربعاء 16 كانون الثاني 2013 غادر محمد مكان إقامته لقضاء حاجة ما، ففقد رفاقه الاتصال به منذ تلك اللحظة. وفي اليوم التالي وُجدت السيارة التي كان يقودها وقد أصابها صاروخ أدى لاحتراقها واستشهاده.

كان خبر استشهاده كالصاعقة على أهله وخطيبته وأصدقائه، الذين لا يزال بعضهم في حالة من الذهول حتى اليوم. ورغم عظم المصاب إلا أن الإيمان بقضاء الله وقدره، والصبر والرضى بأمر الله كان مما ميّز والديه وأهله. فكانت أول كلمة قالها والداه عندما سمعا نبأ استشهاده: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل.

أما شقيقه الذي حضر خصيصًا لرؤيته والصلاة عليه فقد كان مثال الصبر والرضى بقضاء الله وقدره رغم هول المشهد والموقف.

يقول أحد أقربائه لعنب بلدي، «قدم محمد إلينا الأسبوع الفائت وبات عندنا ثلاث ليالٍ على غير عادته. وقبل أن يغادرنا ليعود إلى عمله في داريا، ودّع والديه وقبّل أيديهما، وودع أبناء عمه، وكانت أخر جملة قالها  ‹حاسس حالي ما عاد شوفكم› وذهب لتبقى عيني والدته تلاحقانه.»

كان محمد اتفق مع خطيبته على مفاجأة أهلهم ورفاقهم بتحديد اليوم الأحد 20 كانون الثاني كموعد لزواجهما، لكن كانت إرادة الله أن يزف عريسًا إلى الجنة.

رحل محمد ليترك خلفه فراغًا كبيرًا في قلوب محبيه،  ليلتحق بموكب أصدقائه الشهداء: محمد قريطم أبو النور، أيمن مراد، والساروت أحمد فتاش والقائمة تطول…
رحل وهو مشتاق لصديقه مروان شماشان الذي كان يصفه بـ «المعتقل المنسي»، والذي لا يزال يقبع في سجون النظام منذ عام.

بالأمس القريب كتب أبو يزن على صفحته في الفيس بوك: «أسوأ شي بالحرب إنو ما  في وقت كتير نزعل على حبايبنا.. الواقع بيفرض علينا نفكر باللحظة التالية». كلمات كأنه يوصي من خلالها أصدقاءه بمتابعة الطريق حتى تحقيق النصر.

 

محمد فارس شحادة

بين تحدي موجّهة المدرسة وتحدي النظام

رغم أن محمد قريبي ومقرب مني، لكني لم اكتشف شخصيته الحقيقية والمزايا التي يتمتع بها إلا عندما درّسته في الصف الثالث الثانوي في المدرسة التجارية بداريا. كان محمد طالبًا مشاغبًا في الحصة، كثير الحركة بطريقة تعكس حجم الطاقة الشبابية الموجودة بداخله، مفعمًا بالحيوية والنشاط. وما كان يميز شخصيته أنه اجتماعي جدًا ومحبوب من جميع أصدقائه في الصف، ولديه قدرة ومهارة عالية في التواصل والتحدث مع الجميع. أحد أصدقائه كتب على صفحته على الفيس بوك «الله يرحمك ياملح الشلة..إنشالله بتكون ملح الجنة…»

روح التحدي لم تكن تفارقه أبدًا فهي جزء من تكوينته، هنا يستحضرني موقف دار بين محمد وموجهة المدرسة التي قالت له «بقطع إيدي إذا بتنجح وبتاخد شهادة البكالوريا»، لم تكن تلك الموجهة لتقدر مزايا شخصية محمد، كما لم يُقدّر النظام قوة شباب الثورة. فهي لم ترَ فيه إلا طالبًا مشاغبًا… والنظام لم ير في شباب الحرية إلا جراثيم..! فمحمد لم ينجح فحسب بل تفوق على مستوى محافظة ريف دمشق ودخل كلية الاقتصاد وتخرج منها أثناء الثورة في العام 2011، وليصبح أبو يزن زميلًا لتلك الموجهة يدرس في نفس المدرسة التي تخرج منها ويشاركها العمل التربوي.

محمد كان الدينمو والمحرك الخفي وراء النشاط الثوري المميز لطلاب المدرسة التجارية دون أن يعلم أحد، لكن ذلك لم يدم طويلًا، فقد اضطر إلى ترك التدريس والتخفي بسبب ملاحقة الأمن له، وقال لي حينها «اجو عالمدرسة بعد ما تركت بيومين»

التحدي عنده لم ينتهِ بنيله الشهادة الجامعية، بل استمر حتى نال الشهادة الكبرى وأصبح من الأحياء الذين «عند ربهم يرزقون» فهو من وقف مع شباب داريا في وجه الظلم في أول مظاهرة بداريا بتاريخ 25-3-2011

مرة كان عائدًا من مظاهرة حزينًا جدًا وقال لي: «يازلمي ما أجى على المظاهرة غير 30 شخص»!! كانت تلك رؤية أبي يزن للأمور، كانت استراتيجية وفكر التحدي واستمرار أي عمل مهما كان صغيرًا من الأمور المهمة لديه.

أبو يزن كتب مرة على صفحته على الفيس بوك بعد ما صارت أعداد الشهداء بالمئات « أسوأ شي بالحرب أنو مافي وقت كتير نزعل على حبايبنا .. الواقع بيفرض علينا نفكر باللحظة التالية..!!»

صديق لأبي يزن كتب له على صفحته «بالمنام شفت إنو أنا وياك وأبو النور والشهيد علاء الحمدوني الله يرحمهم عم نلعب كرة قدم بجامع طه 2 ضد 2 ومبسوطين خير الله، والجامع كان مقصوف وأبو النور نفس الضحكة تبعو وكل واحد متل ما هو علاء على نكتو نفسها»… تحقق الحلم والآن أبو يزن مع رفاقه الشهداء في الجنة «والله يحمي هل الرفيق وكل الشباب».

«يا محمد بحب قلك هلأ صرت إنت أستاذي وأنا طالبك، تعلمت كتير منك بالثورة، تعلمات معاني الإيمان الحقيقي بالفكرة والموت في سبيلها.»

* محمد حسام حلمي

 أبو يزن «بيحب الرواء وبيعشق النظافة»

أعجز عن وصف شاب اسمه محمد شحادة «أبو يزن» أعجز من أين أبدأ وكيف أتناول قصة حياته

هو شاب رائع ترعرع في كنف أسرة مشهود لها في داريا بالأخلاق الرفيعة والسمعة الحسنة. مشاكس، ابتسامته لا تفارق وجهه، عرف بطيبة قلبه وهي الصفة التي ميزته عن كل رفاقه، لا يحقد ولا يسيء لأحد كبيرًا كان أم صغيرًا، وعندما يحس بأنه أخطأ يسارع للاعتراف بخطئه والاعتذار.

محمد عشق الرياضة، وبالأخص كرة القدم، كان مشجعًا لنادي الوحدة الدمشقي وبرشلونة الإسباني ومنتخب البرازيل، إضافة إلى ممارسته الرياضة بشكل رسمي في نادي داريا وهاويًا مع رفاقه. كما عمل قبل ما يقارب الـ 4 سنوات مراسلًا لبرنامج ملاعبنا الخضراء الذي كان يُبث على إذاعة دمشق، إذ كان يقوم بتغطية بعض مباريات الدوري السوري مباشرة.

«بيحب الرواء وبيعشق النظافة»، وهذه الصفة تحديدًا لا يلمسها أو يشعر بقيمتها إلا من يقيم معه في غرفة واحدة.

عمل محاسبًا لأكثر من شركة ومحل، كما امتهن التدريس في الثانوية التجارية لعدة سنوات ترك خلالها أثرًا طيبًا لا يمكن لكثير من المدرسين تركه خاصة في علاقته مع جيل من الشباب يصغره بضع سنوات.

لم يعرف عن أبو يزن قبل الثورة أية توجهات سابقة، إنما هو شاب صاعد حاله كحال أغلب الشباب السوريين، دخل كلية الاقتصاد وهمّه التخرج والجيش وتأمين الوظيفة والسكن وووو…. من متطلبات العيش التي يكدّ من أجلها الشاب السوري، دون أن يخلو ذلك من التذمر الدائم من الوضع الذي نعيشه كسوريين عمومًا وكشباب خصوصًا، لاسيما التذمر من فساد ظاهر للعيان سواء في الجامعات أو غيره.

عند الصرخة الأولى والتكبيرة الأولى التي خرجت من جامع العباس نصرة لأطفال درعا صرخ أبو يزن بأعلى صوته مع رفاقه الصرخة المشهورة «الشعب السوري ما بينذل»، عندها بدأ التحول والتغير في حياته، انعطاف بدأ يتصاعد تدريجيًا مع تصاعد واستمرار الاحتجاجات التي تطورت لتأخذ شكل الثورة لاحقًا فكان نشاطه واضحًا في فريق تنظيم المظاهرات واللافتات والتحضير لها منذ الأيام الأولى.

شارك محمد في الجلسات الحوارية التي كانت تعقد في المركز الثقافي في داريا بهدف تقريب وجهات النظر وتحقيق مطالب الثورة وفق زعم ممثلي النظام، كما ذهب مع الوفد الذي قابل العميد (المنشق لاحقًا عن نظام الأسد) مناف طلاس، وكانت له آراء ومواقف ثابتة بعكس كثيرين ممن تنازلوا بمجرد مقابلتهم لأحد المسؤولين البارزين في جنبات النظام.

كان له دور في العمل على توثيق شهداء وضحايا المجزرة التي ارتكبها النظام بحق أبناء المدينة أواخر شهر آب 2012، والتي كان من الممكن أن يكون هو أحد ضحاياها كما هو حال معظم شباب داريا لولا لطف الله ورحمته.

سعى جاهدًا خلال مسيرته الثورية في مدينة داريا إلى محاولات توحيد الجهود ورصّ الصفوف وحل الخلافات التي كانت تمنع ذلك. وانضم أبو يزن إلى المجلس المحلي وانتخب عضوًا في إدارة مكتب الحراك السلمي الذي كان له أثر واضح بعد المجزرة من خلال عدة نشاطات قام بها المكتب، وكان مصرًا مع زملائه على الاستمرار في حراك المظاهرات بالرغم من توجه الثورة ككل نحو السلاح، إذ أنهم كانوا ينظرون إليها على الدوام على أنها ملح الثورة الذي يكسبها جمالًا واستمرارية.

* فادي – ناشط وصديق

تابعنا على تويتر


Top