الغطرسة الإيرانية إلى أين؟

حذام زهور عدي

عندما تصدى العراق لنظرية الخميني في تصدير الثورة، وجاءت نهايتها متعبة للطرفين، ولاح التخلخل في المجتمع الإيراني، أعلنت السلطة الجديدة -بعد وفاة الخميني- تراجعها عن تلك النظرية، ورغبتها في إيجاد الأجواء المناسبة لعلاقة شبه سليمة مع دول الجوار، وظن من كان يتابع أحوال الشرق الأوسط أن النزاع الإيراني–العراقي قد انتهى، وأن عصرًا جديدًا من العلاقات السلمية قد بدأ في المنطقة. إلا أن تورط صدام حسين بالكويت، وتصدي تحالف ثلاثين دولة بقيادة الولايات المتحدة له، فتح شهية القيادة الإيرانية مجددًا للعودة إلى نظرية قائدهم التاريخي الخميني، فالحدود أصبحت مفتوحة للعبث بالأمن العراقي، وتجييش الولي الفقيه الخامنئي متاح، والشيعة العراقيون موجودون في إيران كلاجئين أو حول العتبات المقدسة في النجف وكربلاء، وحصار دول العالم لصدام كان عبئًا أثقل من أن يتحمله، فلِمَ لا يُمسك الإيرانيون زمام الموقف ويتسللون لبناء أرضية تسمح بتحقيق حلم الإمبراطورية الفارسية القديم الذي ألبسه الخميني والخامنئي من بعده أثواب فلسطين والمقاومة، ويوظفون تلك الشعارات مقابل تخاذل الأنظمة العربية وفشلها في تحقيق أي حل عادل لقضية الشعوب العربية الأهم.

مهدت الأجهزة السرية الإيرانية والإسرائيلية الغزو الأمريكي للعراق، وقدمت الولايات المتحدة أثمن هدية لملالي إيران، وأسالت لعابهم للتمدد في المنطقة وتحقيق الهدف القديم الجديد، بجعل إيران اللاعب الأكبر في إقليم الشرق الأوسط كله. وتحولت التقية الإيرانية إلى غطرسة ووقاحة قلما عرفتها المحافل الدولية. وقد لا نستغرب -نحن الكاشفين لحقيقة نظام الملالي- تناقض تصريحاتهم وتعدد وجوههم، فما إن يصرح أحدهم بضرورة التعاون مع دول الجوار للعمل على استقرار المنطقة حتى يأتي آخر بتصريح يمتلىء صلفًا وغطرسة واستكبارًا وعنصرية، بأنهم سيطروا على أربعة عواصم عربية وعلى أهم الممرات البحرية التي هي شريان حياة المنطقة وعماد الاقتصاد العالمي. ثم تتوارد الأخبار عن التبشير المذهبي فيما تبقى من الوطن العربي من المحيط إلى الخليج كأحد طُرقهم للسيطرة السياسية.

تنامت تلك الغطرسة بعد الاتفاق النووي مع الغرب، بسبب السياسة الأمريكية السلبية تجاه الشرق الأوسط عامة وتجاه الثورة السورية خاصة، وزادتها مواقف أوباما في تهميش السعودية ودول الخليج الأخرى. وفي الوقت الذي كان التنسيق الإيراني-الروسي يزداد متانة، شعر ملالي إيران أن الزمن زمنهم، وأن أحدًا لن يقف وقفة جادة في وجه تمددهم وسيطرتهم على منطقة الشرق الأوسط بأكمله، ففَجروا وعتوا عتوًا كبيرًا، فبأي شرعة دولية أو إقليمية يحق لهم أن يهيجوا شيعة العراق والسعودية ولبنان بل أينما كانت، من أجل إعدام رجل وثقت دولته أعمالًا وخُطبًا تُهدد أمنها الوطني والقومي؟

وبغض النظر عن أي رأي بهذا، فليس للملالي أي مصداقية في هذه الجعجعة، وهم الذين يسوقون معارضيهم الإيرانيين إلى المشانق المنصوبة في الساحات العامة يوميًا حتى تجاوز العدد الألف في العام الماضي وحده، وفق منشورات منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة، ويحرقون سفارةً هم مسؤولون عن حمايتها بحسب القانون الدولي، ويعمدون إلى قتل الشعب السوري جوعًا وتشريدًا وتغييرًا ديموغرافيًا، ثم يدفعون عملاءهم من الحشد الشيعي العراقي للعربدة شمالًا وجنوبًا وعلى جوانبهم، محوّلين أبناء البلد الواحد الذين كانوا يعيشون بمودة وسلام وقربى إلى أعداء بما يبثون من أساطير يختلقونها وينشرونها عبر مئات الأقنية الفضائية ووسائل الإعلام المتعددة وحسينياتهم واحدة منها، والمضحك المبكي بعدها أنهم يرمون ضحاياهم بتهمة الطائفية وتفريق شمل الأمة.

لقد بلغت غطرسة ملالي إيران مدىً ما كان يمكن أن تصل إليه لولا الانهيار العربي، وأظهرت عدوانية لم يُظهرها الاستعمار القديم أو الحديث، وقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يعي خطورتها على استقرار المنطقة أولًا وعليه ثانيًا، على المجتمع الدولي مسؤولية التوقف عن إعادة البشرية إلى قوانين الغابة، وإلغاء قرون من المعاناة الإنسانية التي أوصلتها إلى تبني قيم العدل والكرامة والحرية، عليه أن يتوقف عن تجاهل ما يجري، وركوب قارب مصالحه الاقتصادية برؤية قصيرة المدى ونفَس لا يتجاوز أنفه. عليه أن يعيد النظر بأخطائه القاتلة السابقة والحالية، لا ليتابعها وإنما ليوقف استمرارها. فبُنية نظام الملالي أسوأ بما لا يُقاس من بُنية أي نظام عربي، وابتسامات السيد ظريف وأسياده تُخفي أنياب الثعالب والضباع، لقد خَبرها جيدًا أطفالنا ونساؤنا وشيوخنا، وها هو حصار مضايا والحصارات الأخرى تُحدثكم بالصور دون كلام، وعرفها يوميًا الشعب الإيراني نفسه.

فهل تساءل الغرب لحظة، والقيادة الأمريكية، ما عاقبة تسليم الشرق الأوسط لتقاسم النفوذ الإيراني-الروسي؟ وهل تساءل الشيعة العرب لحظةً عن عاقبة نقل مراكزهم التاريخية من النجف وكربلاء والأرض العربية إلى قم وطهران، وتبعيتهم لفلسفة الولي الفقيه التي لم يعرفوها يومًا؟ ألم يروا ما يحدث لإخوتهم الشيعة العرب في الأهواز؟ والعرب الآخرون، وبخاصة دول الخليج؟ هل باستطاعتهم اليوم معالجة تأخرهم في نصرة الشعب السوري بعدما لمسوا أن لا أحد منهم بعيد عن عدوانية الملالي ونفاقهم وعربدتهم وأنه لابد من حدٍ أدنى للتنسيق والتوحد العربي لدرء الخطر الداهم؟

أما ثوار الثورة السورية، فقد ساهموا من حيث علموا أم لم يعلموا سببًا من أسباب تلك الغطرسة، فلولا تشرذمهم واختلافهم لما ذهب ريحهم ولما أتاحوا الفرصة لمثل تلك العربدة في الأرض السورية وفي خلل الشعب السوري، فهل عودة تُرجى لننقذ أنفسنا ونُنقذ العالم من غطرسة النظام الإيراني وجاهليته؟

تابعنا على تويتر


Top