التعدديّة السياسيّة

جريدة عنب بلدي – العدد 49 – الأحد – 27-1-2013

1

مبدأ الإقرار بوجود التعددية السّياسيّة من أجل ترسيخ قيم الديمقراطيّة، والحداثة، والتداول السّلميّ على السلطة هو إحدى ضمانات نموّ الدّول و تطوّرها و بقائها.

يقصد بالتعدديّة السياسيّة من وجهة نظر علماء السياسة بأنها «مظهر من مظاهر الحداثة السياسية، ونقصد بها أولا وقبل كل شيء، وجود مجال اجتماعيّ وفكريّ يمارس الّناس فيه» الحرب «بواسطة السّياسة، أي بواسطة الحوار، والنقد، والاعتراض وتداول الرّأي، والنقاش، وبالتالي التعايش في إطار من السلم القائم على الحلول الوسطى المتنامية. والتعدديّة هي وجود صوت أو أصوات أخرى مخالفة لصوت الحاكم». ويراها آخرون على أنها «مشروعيّة تعدد القوى والآراء السياسيّة، وحقها في التعايش والتعبير عن نفسها، والمشاركة في التأثير على القرار السياسيّ في مجتمعها.»

يرى المهتمون بالشأن السياسيّ أن التعدديّة السياسيّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتداول السلميّ للسلطة وهو «التعاقب الدوريّ للحكّام على سدّة الحكم تحت صيغ الانتخابات، حيث يمارس هؤلاء الحكام المنتخبون اختصاصاتهم الدستوريّة لفترات محددة سلفًا».  وبذلك فإن اسم الدولة لا يتغير، ولا يتبدل دستورها، ولا تزول شخصيتها الاعتبارية نتيجة تغير الحاكم أو الأحزاب الحاكمة. وعليه فإن السلطة من وجهة نظرهم هي «اختصاص يتم ممارسته من قبل الحاكم بتفويض من الناخبين وفق أحكام الدستور، وليست السلطة حقًا يتوجه الحاكم لغيره أو يورثه لمن بعده، وإنما يتم تداول السلطة وفق أحكام الدستور». ويشير هؤلاء المهتمون بعلم السّياسة إلى أنه «لا يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية مالم يكن هناك اعتراف بحق جميع التيارات والأحزاب السياسية أن تتبادل مواقع الحكم والمعارضة داخل الدولة».

كانت بواكير نشوء التّيارات في سوريا هو نهاية العهد العثماني حيث شكلت أحزاب، وهيئات وجمعيّات تطالب باللاّمركزيّة، ومنها يطالب بسنّ تشريعات تواكب العصر ومن ثم نشأت الأحزاب التي تعتمد على النخب والتراتبيّة الاجتماعية في ظل الاستعمار الفرنسي، وما بعده نشأت العديد من الأحزاب الدينيّة، والليبراليّة، والقوميّة واليساريّة، وظلّت في حالة من التخبّط وضيّق عليها خلال فترات الانقلابات العسكريّة المتلاحقة، واستطاعت أن تلعب دورًا مهمًّا في سنوات الحكم البرلماني، واكتسبت بعض هذه الأحزاب قاعدة شعبيّة عريضة إلى أن استولى حزب البعث في انقلابه الكارثيّ على البلاد ومقدّراتها، حيث صودرت الحياة السياسيّة، وألغيت التعدديّة السياسيّة، وزجّ بالمعارضين في السجون حتى من داخل حزب البعث نفسه، واستخدم العنف والقهر في إسكات أي صوت لا يوافق هوى الطغمة الحاكمة ومن ثم سيطر الدكتاتور حافظ الأسد على الحكم من خلال الانقلاب على رفاقه الذين أودعهم السجون، وضربت التعدديّة السياسيّة في الصميم واعتقل عشرات الآلاف من السوريين من إخوان مسلمين، وشيوعيين، وبعثيين، وسياسيين كرد، وآشوريين واستمر وريثه بشار الأسد في نفس النهج الذي ما زلنا نعايشه.

تابعنا على تويتر


Top