نوم وحلم وطفولة

جريدة عنب بلدي – العدد 49 – الأحد – 27-1-2013

8محمد – داريّا

إن ما يتعرض له المواطن في سوريا من آلام ومآس – والطفل بشكل خاص – إنما ينعكس عليه وعلى مسيرة حياته اليومية ومجريات أموره وأحواله، وبالتالي فما يمر به أثناء نهاره يمكن أن يؤثر به أيضًا أثناء نومه، حيث ينقسم النوم عند مختلف البشر إلى نوعين رئيسيين:

اﻟﻨﻮع اﻷول:

واﻟﺬى يُطلق عليه اﻟﻨﻮم الكلاسيكي أو اﻟﻨﻮم البطيء، وﻫﺬا اﻟﻨﻮع يتميز ﺑﺎﻧﺨﻔﺎض ﺳﺮﻋﺔ اﻟﺘﻨﻔﺲ وﺳﺮﻋﺔ ﺿﺮﺑﺎت اﻟﻘﻠﺐ واﻧﺨﻔﺎض اﻟﺪم وﻫﺒﻮط درﺟﺔ ﺣﺮارة اﻟﺠﺴﻢ واﻧﺨﻔﺎض ﺳﺮﻋﺔ الإﺣﺘﺮاق الداخلي ﺑﺎﻟﺠﺴﻢ، كما لا تصاحب هذا النوع من النوم حركات العين السريعة.

النوع الثاني :

ويطلق عليه اﻟﻨﻮم النقيضي أو اﻟﻨﻮم اﻟﺤﺎﻟﻢ، ويتميز هذا النوع ﺑﺤﺮﻛﺎت العين السريعة وحدوث الأحلام أثناءه، ويصاحبه أيضًا ﻧﺸﺎط في ﻛﻞ اﻷﺟﻬﺰة، وازدياد في ﺣﺮﻛﺔ اﻟﺘﻨﻔﺲ وﺳﺮﻋﺔ اﻟﻘﻠﺐ وﺿﻐﻂ اﻟﺪم وإﻓﺮاز اﻟﻤﻌﺪة، ويتعاقب اﻟﻨﻮﻋﺎن ﻣﻦ اﻟﻨﻮم في دورات ﺛﺎﺑﺘﺔ تقريبًا ﻟﻜﻞ ﺷﺨﺺ.

ويحدث اﻟﻨﻮع الثاني ﻣﺮة ﻛﻞ 90 دقيقة ويستمر لـ 20 دقيقة في كل دورة، ويحدث اﻟﻨﻮع اﻷول ﻣﻦ اﻟﻨﻮم في أول الليل ﺑﻜﺜﺮة، بينما ﺗﻄﻮل ﻓﺘﺮات اﻟﻨﻮع الثاني آﺧﺮ الليل، ويطلق ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻮع الثاني أيضًا اﺳﻢ «اﻟﻨﻮم اﻟﺤﺎﻟﻢ» وذﻟﻚ ﻟﻌﻼقته ﺑﺎﻷﺣﻼم ﻋﻼﻗﺔ وثيقة.

فإذا أيقظنا اﻟﻨﺎﺋﻢ ﺧﻼل ﻓﺘﺮة ﺣﺮﻛﺎت العين السريعة ﻓﺈﻧﻪ يذكر ﻟﻨﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﻮر أﻧﻪ ﻛﺎن ﻣﺴﺘﻐﺮقًا في اﻷﺣﻼم، وﻫﻨﺎك دليل آﺧﺮ ﻋﻠﻰ أن ﻫﺬا اﻟﻨﻮع ﻣﻦ اﻟﻨﻮم ﺧﺎص ﺑﺎﻷﺣﻼم، وﻫو ﻣﺴﺘﻮﺣﻰ ﻣﻦ أن ﺣﺮﻛﺎت العين ﺗﺸﺒﻪ في ﺣﺮﻛﺘﻬﺎ ﻣﺘﺎﺑﻌﺔ اﻟﺼﻮر اﻟﻤﺘﺤﺮﻛﺔ، فكأن اﻟﻨﺎﺋﻢ يتابع اﻟﺼﻮر التي يراها في ﺣﻠﻤﻪ، وأﻛﺜﺮ اﻷﺣﻼم وضوحًا واﻟﻤﻤﺘﻠﺌﺔ بالحيوية واﻟﻤﻔﻌﻤﺔ ﺑﺎﻟﻨﺸﺎط واﻟﻌﻮاﻃﻒ هي ﺗﻠﻚ التي ﺗﺤﺪث في ﻓﺘﺮة اﻟﻨﻮم الحالم.

إن اﻷﺣﻼم التي ﺗﺤﺪث في ﺧﻼل ﻫﺬا اﻟﻨﻮع ﻣﻦ اﻟﻨﻮم ﺗﺘﻢ في زﻣﻦ ﻣﻌﻘﻮل، وليس في ﻟﻤﺤﺔ ﻛﻤﺎ يتخيل ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺎس، ﻓﺎﻹﻧﺴﺎن الذي يوقَظ ﻣﻦ ﻧﻮﻣﻪ ﺑﻌﺪ ﻋﺸﺮ دﻗﺎﺋﻖ، ﻗﺪ يكون في ﻣﻨﺘﺼﻒ اﻟﺤﻠﻢ، ورﺑﻤﺎ ﻋﺎد إليه إذا ﺳﻤﺢ ﻟﻪ ﺑﺎﻟﻨﻮم ﻣﺮة أﺧﺮى. وﺗﺤﻤﻞ ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ اﻷﺣﻼم في طياتها درﺟﺔ كبيرة ﻣﻦ اﻟﻌﻮاﻃﻒ والتأثيرات التي ﺗﺘﺮﻛﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺟﺴﺪ اﻹﻧﺴﺎن والتي ﻧﺤﻦ ﻋﻠﻰ أُﻟﻔﺔ وثيقة ﺑﻬﺎ في ﻣﺮﺣﻠﺔ اليقظة.

واﻟﺤﻠﻢ اﻟﺬي يثير اﻟﻔﺰع واﻟﻘﻠﻖ، يجعل اﻟﺠﺴﻢ يفيض بالأدرينالين ويجعل ﺻﺎﺣﺒﻪ يصحو ﻣﻦ اﻟﻨﻮم ﻋﻠﻰ ﺻﻮت ﺿﺮﺑﺎت ﻗﻠﺒﻪ، وﻣﻦ أﺣﻼم الكوابيس العادية ﺗﻠﻚ التي يشعر بها الشخص أن اﻟﺨﻮف ﻗﺪ ﺷﻞ ﺣﺮﻛﺘﻪ.

إن ﻟﻬﺬا اﻹﺣﺴﺎس أﺳﺎسًا ﻣﻦ اﻟﻮاﻗﻊ اﻟﻤﺎدي في اﻟﻨﻮم الخفيف، ﻷن اﻹﺷﺎرات العصبية إﻟﻰ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ معينة ﻣﻦ اﻟﻌﻀﻼت ﺗﻮﻗﻒ ﻟﻔﺘﺮات ﻗﺪ ﺗﺒﻠﻎ ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻧﺼﻒ دقيقة أو ﻧﺤﻮًا ﻣﻦ ذﻟﻚ، ﺛﻢ ﺗﻨﺪﻓﻊ ﻣﺮة واﺣﺪة وﻗﺪ ﺗﻜﻮن ﺳﺎﻗﺎ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﺤﻠﻢ مشلولتين، ﺣﺘﻰ يصل اﻟﺤﻠﻢ إﻟﻰ ﻧﻘﻄﺔ يستطيع فيها أن يهرب، أو يصحو ﻣﻦ ﻧﻮﻣﻪ.

إن أﺣﻼم ﻣﻌﻈﻢ اﻟﻨﺎس في ﻓﺘﺮة اﻟﻨﻮم العميق أﻗﻞ ﻣﻨﻬﺎ في ﻓﺘﺮة اﻟﻨﻮم الخفيف، وإذا ﺣﻠﻢ اﻟﻨﺎس في ﻫﺬﻩ اﻟﻔﺘﺮة، ﻓان أﺣﻼﻣﻬﻢ ﺗﻜﻮن ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ، ﻷن الكثير ﻣﻨﻬﺎ يكون خاصًا بالحياة اليومية وخاليًا ﻣﻦ اﻟﻌﻮاﻃﻒ، ويكون ﻣﺜﻞ ﻫﺬﻩ اﻷﺣﻼم أﺷﺒﻪ بذكريات اﻟﻮاﻗﻊ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺄﺣﻼم اﻟﻨﻮم الخفيف، وبالنسبة للأطفال فان اضطراب فزع النوم والكوابيس يعتبر أمرًا مقلقًا للأهل الذين يقفون أحيانًا عاجزين أمام ما يمر به أطفالهم.

إن ﻓﺰع اﻟﻨﻮم اﺿﻄﺮاب يحدث أﺛﻨﺎء ﻣﺮﺣﻠﺔ اﻟﻨﻮم العميق وﺗﻜﻮن ﻫﺬﻩ اﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺑﻌﺪ ﺳﺎﻋﺔ أو ساعتين ﻣﻦ اﻟﻨﻮم وﻫﻲ ﻓﺘﺮة ﻻ ﺗﺤﺪث فيها اﻷﺣﻼم. ويتميز ﻓﺰع اﻟﻨﻮم ﺑﻨﻮﺑﺎت ﻣﺘﻜﺮرة ﻣﻦ الاستيقاظ اﻟﻤﻔﺎﺟﺊ ﻣﺼﺤﻮﺑﺔ ﺑﻘﻠﻖ شديد، ﺻﺮاخ هستيري، اﻧﺰﻋﺎج شديد.. ورﺑﻤﺎ يصحب اﻟﺼﺮاخ اﻟﺮﻛﻞ وﺿﺮب ﻣﻦ ﺣﻮﻟﻪ وﻋﺪم اﻻﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻤﺤﺎوﻟﺔ تهدئته وﻻ يستطيع اﻟﻄﻔﻞ ﺗﺬﻛﺮ تفاصيل ﻣﺎ ﺣﺪث ﻟﻪ ﻓﻲ اليوم اﻟﺘﺎﻟﻲ.

اﻷﺳﺒﺎب اﻟﺘﻲ وﺟﺪ أﻧﻬﺎ ﺗﻠﻌﺐ دورًا ﻓﻲ حدوث فزع النوم والكوابيس يمكن ﺣﺼﺮﻫﺎ ﻓﻲ:

اﻹرﻫﺎق الشديد، ﻗﻠﺔ اﻟﻨﻮم، ﻋﺪم وﺟﻮد ﻧﻤﻂ ﻣﻨﺘﻈﻢ ﻟﻠﻨﻮم، واﻟﻘﻠﻖ، ﻋﺪم اﻻﺳﺘﻘﺮار اﻷﺳﺮي، أو وﻓﺎة أﺣﺪ أفراد اﻷﺳﺮة، أو اﻟﻄﻼق أو اﻟﻨﻘﺎش اﻟﺤﺎد بين الوالدين، أو الترهيب ﻓﻲ اﻟﻤﻨﺰل أو اﻟﻤﺪرﺳﺔ أو ﺑﻌﺪ ﺣﺎدث ﻣﻔﺠﻊ.

إن الكوابيس وﻓﺰع اﻟﻨﻮم، ﻫﻤﺎ ﺟﺰء ﻣﻦ اﻟﻨﻤﻮ الطبيعي ﻟﻠﻄﻔﻞ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻨﻤﻮ مخيلته ويبدأ ﻓﻲ ﻓﻬﻢ أن ﻫﻨﺎﻟﻚ أشياء ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن تؤذيه.

يقلق كثير ﻣﻦ اﻵﺑﺎء ﻣﻦ الكوابيس وﻓﺰع اﻟﻨﻮم اﻟﺘﻲ يتعرض ﻟﻬﺎ ﻃﻔﻠﻬﻢ، وأحيانًا يعتقدون أﻧﻬﺎ أﻋﺮاض ﻟﻤﺸﻜﻠﺔ عاطفية أو دليل ﻋﻠﻰ أن اﻟﻄﻔﻞ ﺗﻌﺮض ﻟﺼﺪﻣﺔ ﻣﺎ أﺛﻨﺎء ﺳﺎﻋﺎت نهاره.

فإن ما يتوجب على المربي أن يكون منبع الطمأنينة لطفله ليشعر بالأمان والراحة وينزع عن نفسه الخوف الذي تسبب به ما حلم به.

إن ما يشاهده الأطفال من مشاهد مخيفة أو ما يتعرضون له من قصص مخيفة.. كذلك تؤدي إلى زيادة فزع النوم والكوابيس لديهم وبالتالي يجب الاستعداد الدائم من قبل الأهل لتهدئة الطفل حال استيقاظه مذعورًا، فيجب البقاء إلى جانب الطفل حتى يعاود النوم وعدم تركه لخوفه.

وإن الهدوء وتمالك الأعصاب ومنع القلق والتوتر لدى الأهل إزاء ما يحدث للطفل أمر مهم ليتم إشعاره بالأمن والطمأنينة وليشعر بوجود والديه لحمايته.

إن التحدث للطفل والتحاور معه حول ما يحلم به ومساعدته على التكلم بأريحية حول كل شيء وبناء حوار ايجابي مع الطفل لهو أمر مهم في التخفيف على الطفل مما يعانيه. كما

يلعب العامل الروحي وتقوية إيمان الطفل بالحماية الإلهية التي يتمتع بها الإنسان المؤمن دورًا مهمًا في مساعدة الطفل على الاسترخاء و الشعور بالأمان.

نحلم دائمًا بالعمل على أن يحصل أطفالنا على حقهم في الحياة الحرة الكريمة، وكذلك يجب أن نعمل أيضًا على أن يحلم أطفالنا بما هو جميل ومشرق ليبدعوا للثورة الحاضرة مستقبلاً مشرقًا حرًا وكريمًا.

 

تابعنا على تويتر


Top