الزعتري.. صرخة حياة أُريد لها الموت

12جريدة عنب بلدي – العدد 49 – الأحد – 27-1-2013

محمد الطيب

إنه العام 1948، أو ما يعرف بعام النكبة الفلسطينية، يتصل أبو أحمد بزوجته التي كانت تعدّ له طعامًا يخبرها أنه حان الوقت للخروج فعمليات المداهمة تدكّ أبواب المدينة بيتًا بيتًا. تلملم أم أحمد من بيتها ما خف وزنه وغلا ثمنه وتترك الطعام على النار فهي واثقة أن الموضوع لن يطول مجرّد سويعات فقط تعود بعدها لممارسة حياتها كما كانت. أم حازم في الحارة المجاورة تغادر منزلها هي الأخرى وتنسى أنها خلّفت رضيعًا في البيت لم تعتد على اصطحابه خارجًا. صوت انفجار كبير آتٍ من رأس الحارة يجبر عقلها الباطن على العضّ على مشاعر أمومتها والنجاة بروحها بعد أن تذكرت رضيعها ويدها تكاد تلامس باب المنزل. وفي نفسها تقول أيضًا لن تطول الأزمة سأعود حتى قبل أن يستيقظ رضيعي من سباته.

في 2013، يتكرر المشهد ذاته ويعيد التاريخ نفسه، تستمر أزمة الشتات للفلسطينين لتبدأ معاناة لجوء أخرى أبطالها سوريون هذه المرة. 65 ألف سوري في رمضاء الزعتري يعيثون فيهًا لجوءًا، خلف كلٍّ منهم حكاية ألجأته للجوء ومعاناة حرمان من الوطن أرغمته على تحمل مشاق الاستمرار في اللجوء. العامل المشترك بين المشهدين هو الخيمة المجردة التي انتهى إليها حال اللاجئين الفلسطينيين ومن ثمّ السوريين. الخيمة نفسها التي طالما كانت رمزًا للشهامة والمروءة والكرم العربي. الفرق ربّما في زمننا الحاضر الذي يسعى العرب فيه لامتلاك ناطحات سحاب كلٌ يتباهى بعمرانه في مدينته. شركات الفنادق الأجنبية كالشيراتون وغيرها تتنافس على إدارة الفنادق العربية وتوفير أحدث سبل المنامة والراحة فيها. تصنيف الفنادق يرمز له بعدد النجوم فكلما زاد عدد النجوم كلّما زادت الخدمة ووسائلها رفاهية داخل الفندق. المفارقة العجيبة أنه في تلك الفنادق لا يوجد هناك تصنيف فندق من نوع «خيمة» كالتي يتم استقبال اللاجئين فيها!. فرق آخر ربما تلحظه في هذا العالم الذي أصبح أكثر إدراكًا وإحاطةً مع توفر وسائل الإعلام الحديث وربّما أقل استجابة لمعاناة الغير.

وإذا كانت الخيمة هي الحال المشترك الذي انتهى إليه حال كل من اللاجئ السوري والفلسطيني على اختلاف زمانهما فإن التغير في الحالين قد اختلف جذريًا وذلك نظرًا لاختلاف مستوى المعيشة والرفاهية الذي كان عليه حال كل من اللاجئ الفلسطيني والسوري بين عاميّ 1948 و 2013 قبل اللجوء. مما يجعل اللاجئ السوري في 2013 أقل قدرة على التعامل مع الحياة الجديدة التي انتهى إليها حاله في المخيمات. خيمة تحدها خيمة أخرى من كلّ الجهات بمسافة فاصلة لا تزيد عن مترين وبتلاصق عجيب. الخيم مفتوحة على بعضها البعض طيلة الوقت ولا وسيلة محصنة لإحكام إغلاقها، مما قد يشجع حالات السلوك الإجرامي عند الأفراد كالسرقات ونحوها. الخيمة تفتقد لأبسط مقومات الحياة كالكهرباء والماء مما يجعل اللاجئ القادم من حياة المدينة أقل قدرة على التعاطي مع حياته الجديدة التي يعاني فيها مع أبنائه من فراغ قاتل.

في زيارتي الميدانية لمخيم الزعتري لم يلفت انتباهي الحالات الفردية الإنسانية ولا الصحية بقدر ما لفت انتباهي السلوك الجماعي والتربوي الناتج من حياة المخيمات. حياة المخيم التي تفتقد لأدنى مقومات الحياة والبرامج التربوية والتأهيلية والخدمات التعليمية مما يجعلها بيئة غير صالحة للحياة من الناحية الاجتماعية والتربوية وغير قادرة على تنشئة الفرد السليم عداك عن صلاحيتها من الناحية الإنسانية. غياب الحل السياسي والحسم العسكري في البلد الأم سوريا يرشح ازدياد حالات النزوح وارتفاع أعداد اللاجئين واستمرار معاناتهم مما يدق نواقيس الخطر تجاه المعاناة التربوية والاجتماعية التي يعيشها أبناء المخيم والتي قد يستمر أثرها السلبي لأجيال تتوالى.

الحل الجذري في ظل هذا العدد القليل نسبيًا من اللاجئين يكمن بإنهاء حياة المخيم وإذابة اللاجئين ضمن النسيج الاجتماعي الطبيعي حيث يتم احتواؤهم في مساكن أو ملاجئ داخل المدن مع توفير سبل الحياة لهم وإيجاد خطة عملية لإيصال المعونات إليهم. الكثير من اللاجئين لديهم القدرة على معونة أنفسهم حتى خارج المخيم إلا أن تعنّت السلطات الأردنية حال دون إخراجهم لأسباب ترفض الحكومة الإفصاح عنها. 3000 طلب خروج من المخيم يقدم يوميًا يقبل منها 300 فقط!. على الائتلاف الوطني والحكومات العربية تقع مهمة الضغط على السلطات الأردنية لتسهيل خروج اللاجئين الراغبين الخروج من المخيم. أمّا إن كان المخيم شر لابد منه فالحل هو المضي في المشروع السعودي الرامي لاستبدال الخيم بكرافانات (بيوت معدنية يمكن إحكام إغلاقها مع توفر التمديدات الكهربائية داخلها). هذا بالإضافة لتسيير برامج الدعم النفسي والمعنوي والاجتماعي داخل المخيم وإنشاء المدارس الميدانية التي من شأنها أن تقوّض الأثر السلبي للحياة الاجتماعية في المخيم.

«نحنا عم نعد الأنفاس لبينما يسقط بشار ونرجع ع ديارنا نعيش بحرية»

 نطق بها أحد الأطفال اللاجئين. جيل كامل من السوريين ينشأ ويتربى الآن في المخيمات هم أقرب إلى الحرية منها إلى زمن العبودية حيث يعيشونها قولاً وفعلاً. هو جيل يستحق منا كل الدعم وجهود الإعداد ليشارك غدًا في مسيرة البناء. لا تخذلوهم، امنحوهم حقهم في الحياة !

 

تابعنا على تويتر


Top