الحفاظ على الدفاع المدني السوري فاعلًا ومُستقلًا

fadi-qadi.jpg

فادي القاضي

لا يحتاج الدفاع المدني السوري، وفرقه العاملة، وأعضاؤه من النساء والرجال، المزيد من الإشادة بالدور غير المسبوق الذي لعبوه في إنقاذ حياة الآلاف من النساء والرجال والأطفال، الذين وقعوا بين فكي كماشة آلة الحرب المريعة في سوريا. ومن نافل القول إن نشأة هذه المنظمة رافقت ظروفًا غير عادية، وغير مسبوقة، ومن المؤكد أنها برزت إلى حيز الوجود استجابةً لحاجات موضوعية لم يقم أحد بتلبيتها في مشهد المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السوري.

وأهم هذه الاحتياجات هو ما يشير إليه بيان تأسيس الدفاع المدني السوري، والذي جاء واضحًا، وينص على “إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح في أقصر وقت ممكن، والحد من الإصابات بين الناس، والضرر على الممتلكات”. وليس سرًا أن غياب أجهزة الدولة المعنية بحفظ السلامة العامة والتدخل لإنقاذ الأرواح، بل وغياب الدولة أصلًا عن هذه المناطق، قد جعل من مطلب وجود جهاز إنقاذ فاعل، مطلبًا حيويًا خلال السنوات القليلة الماضية.

لكن عمل الدفاع المدني السوري كمنظمة تأسست أصلًا من ناشطين وجامعيين ومهندسين وعمال تطوعوا وتدربوا على إنقاذ الجرحى وضحايا القصف، وأصبحوا بعده عاملين فيها، يجب أن يستند إلى شرعة ما، تجعل من عمل المنظمة مُستندًا إلى قواعد واضحة ومتوافقة مع النهج العالمي. وفي غياب شرعة القانون المحلي، جعلت المنظمة من القانون الإنساني الدولي (اتفاقيات جنيف لعام 1949) مرجعًا لها، وهو ما يشكل برأيي عامل ومصدر قوة لها، وبالتحديد في الاسترشاد بمبادئ الحيادية والإنسانية وعدم التمييز.

وفي الدول المستقرة، والتي ينتظم فيها عمل المؤسسات العامة كجزء طبيعي من عمل الدولة ككل، يستقر موقع أجهزة الإنقاذ والسلامة العامة في بنية المؤسسات المعنية بالحفاظ على الأمن، من دون أن تكون بالضرورة مؤسسة أمنية، ومن غير أن يعني ارتباطها التنظيمي المحدد (في هياكل الدولة) عدم تشابك مهامها وتكاملها مع الأجهزة الأخرى، مثل جهاز الصحة. وهنا أعتقد أن هناك مشكلة تتعلق بتحديد مكانة الدفاع المدني السوري في الإطار العام، الخارج عن سيطرة النظام السوري.

وأكثر ما يقلقني هو تصريحات مبكرة، في أواخر العام 2014 وبدايات العام 2015 لقيادة الدفاع المدني، والتي طرحت فيها بعض الفرضيات، ومن ضمنها إمكانية أن يتبع لرئاسة الحكومة المؤقتة من ضمن خيارات أخرى، تلتقي جميعها في ربطه بشكل أو بآخر بهياكل المعارضة السورية. وأنا أرى أن ذلك يتعارض، على الأقل، مع ما حددته المنظمة من مرجعية لها بأنها “لا تدين بالولاء لأي حزب أو جماعة سياسية”. ومع الإدراك أن هناك مشكلة في تمويل عمل الدفاع المدني السوري، إلا أن الحفاظ عليه كـ “منظمة محايدة وغير متحيزة” هو من أهم المنجزات التي يجب التمسك بها حاليًا.

لا يجب على الدفاع المدني السوري، مع أن اسمه يعطي دلالة أجهزة الدولة، أن يطمح لأن يكون تابعًا لدولة غير موجودة في الوقت الراهن، وعليه بتقديري أن يضع مسافة بينه وبين جميع أطراف المعارضة السورية، ومن ضمنها المسلحة منها. وبرأيي، أن النموذج الأقرب الذي يُشبه ويتشابه مع عمله، هو نموذج “أطباء بلا حدود” ومن هم على شاكلتها. كما أن بإمكان الحكومة المؤقتة وغيرها الإسهام في تمويل أنشطته من دون أن يتبع لها.

سلامًا على من أنقذ للروح جسدًا.

تابع قراءة ملف الدفاع المدني في سوريا المحررة:

تجارب المدن السورية المحررة في تشكيل فرق للدفاع المدني خلال الثورة

مطالب بتعزيز قدرات عناصر الدفاع المدني الطبية وتكثيف الدورات.

رأي: الحفاظ على الدفاع المدني السوري فاعلًا ومُستقلًا.

انفوغراف: أعداد شهداء وعاملي ومراكز الدفاع المدني.

لتحميل الملف بصيغة PDF: اضغط هنا.

تابعنا على تويتر


Top