نحو ثورة اجتماعية شاملة

التملّق… وصناعة الديكتاتور

133.jpg

 

13حنين النقري – دوما

على الرغم من كلّ ما يحويه من صعوبة وتحدّيات، فإن النزوح قد أتاح لنا – من ضمن ما أتاح- معايشة أنماط عديدة ومختلفة جدًا من البشر، دراسة شخصياتهم، وتحليل بعض العلل التي يعاني منها المجتمع…

بالنسبة لي، من بين كل العيوب التي رأيتها، ثمّة عيب «اجتماعي» اعتبره المنفّر الأكبر لي عن صاحبه، بل اعتبر له يدًا واضحة الأثر فيما نحن عليه.

ذاك الطبع هو ما يُعرف عامّيًا بـ «الدهلزة».

الدهلزة، كمرادف لكلمات مثل التملّق، النفاق الاجتماعي… وهي أن تُبدي خلاف ما تبطن!

تلتقي بشخص ما، يُظهر لك المودّة والحب، يمتدحك ويلاطفك بالحديث، لكنّه يكنّ لك نقدًا لاذعًا، وكراهية تتربع في قلبه رغم قوله لك «حبيبي» مرارًا!

قد لا تتفق معي بخطر ذلك اجتماعيًا، وما الضير في كلام ودود يسود المجتمع، أليس أفضل من الشتائم والسباب على كل حال؟؟ «فليتملّق لي كما يشاء، المهم ألا يؤذيني بكلامه»!! هذا حال البعض… لكن مهلًا!

هل هذا الطبع صحيّ؟

برأيي فإن الكلام الجميل لا يعكس على الإطلاق متانة علاقتك بأحدهم، هو مهم لو كان نابعًا من قلبك، لكنه إن كان سِترًا وغطاءً تخفي به ما تبطن، فإنّ علاقتك به هي على أكبر قدر من الهشاشة، ولو كنت تتحايل على نفسك بخلاف ذلك!

من يتملّقون يحاولون أن يحققوا أكبر قدر من المصلحة الذاتية، باستخدام اللسان والكلام الودود، مع أقل قدر من الصدامات. لكن عندما يمسّ الأمر مصلحة شخصية لهم، فإن جلّ ما يبطنونه من مشاعر خفية سيظهر دفعة واحدة، لأنّ الأهم هو تلك المصلحة المهددة!

«وما علاقة ذلك بالثورة؟» يسأل سائل (إذ كتبت في مقدمتي أن للأمر يدًا فيما نحن عليه).

نعم… لذلك علاقة وطيدة

من لا يجرؤ على الاتسام بوضوح اجتماعي بكلامه ومشاعره وأفعاله، مع أشخاص عاديين، لن يتّسم بهذا الوضوح مع أي ظالم…

إن كنت تتملّق لي وأنا لا أملك عصا تجبرك على ذلك، فمن باب أولى تملّقك لحاكم تدري مدى جبروته وعدم خوفه من الله!

الناظر لواقع الحال ولتاريخ الشعوب، يدرك بأن هذه الظاهرة وهذا الطبع منتشران في المدن بشكل أكبر من الأرياف. هو طبع «شاميّ» أصيل ندر أن تخلو منه شخصيةُ شاميّ قح، ولعلّ الموروث الثقافي والأمثال الشعبية تعكس هذا الأمر بشكل كبير!

ولعل هذا يفسّر تمامًا قلّة ثورات أهل الشام تاريخيًا على حكّامهم، لأن أهلها معروفين بتسليم حكمهم لحاكمهم والسير وراء مصالحهم مع أقل قدر من المواجهة والنقد المباشر… وماذا يبغي أي حاكم متمسّك بكرسيّه أكثر من هذا؟! (أنا موافق على هاي الفكرة وبرأيي صحيحة وقالها كذا واحد من الشوام الأقحاح مؤخرًا… أنا مع الحاكم) خليها خليها

على العكس تمامًا، فإننا نجد في الأرياف كلامًا مباشرًا واضح الغاية والهدف، وندر أن تقابل ريفيًّا قحّا… فتجد عنده القدرة على إخفاء ما يبطن أو تزويق كلامه وتزيينه. ولعلّ هذا هو السبب الأبرز في أن ثورات الشام بدأت من أريافها، وتحريرها من المحتل بدأ من غوطتها، ولا يزال هذا الأمر هو الساري مع محتلّ الشام اليوم.

ما أبغي قوله، ليس مطالبة بعدم اللباقة والتوازن في الكلام، بل التخلّي عن التناقض بين الداخل والخارج، في عموم معاملتنا مع بعضنا. الصراحة والوضوح بالنقد والرأي للحفاظ على علاقات أكثر قوة، ومجتمعات يعمل النقد الذاتي فيها عمل التغذية الراجعة الحريصة على مجتمع صحيّ أكثر، لا يشارك في صنع ديكتاتور جديد، ولا يرغب بحكمه أحد لسهولة انقياده!

 

تابعنا على تويتر


Top