لحياة طبيعية “غير موعودة”.. حمص تصارع “كابوس” البرد

winter-in-homs.jpg

حي الوعر في حمص - 1 كانون الثاني 2016 (عدسة شاب حمصي)

قنديل ضاهر – عنب بلدي

تعيش حمص اليوم، كما أغلب المناطق في سوريا، فصلًا جديدًا من المعاناة مع شتاء قاس ومظلم، إثر غياب الكهرباء معظم ساعات اليوم وأزمة الوقود المستمرة منذ فترة طويلة.

لا تقتصر قسوة الشتاء على سكان الخيام والعراء، فداخل مكتب صغير في منطقة تجارية تقيم إيمان مع أطفالها الثلاثة، وتقول “لم أعد أحلم سوى بمكان دافئ مع زوجي وأطفالي، زوجي مفقود منذ ثلاث سنوات، تنقلت وتشردت من مكان لآخر بعد نزوحي من بيتي المهدم، والآن استأجرت هذا المكتب بمبلغ 20 ألف ليرة سورية شهريًا، وهو رقم كبير جدًا قياسًا لما أتقاضاه كموظفة حكومية”.

في البداية كان المكتب منهوبًا بالكامل بلا نوافذ وأبواب، فاستعاضت إيمان عنها بقطع النايلون، لكنّ صوت صفير الرياح وبرودتها بات، منذ بداية الشتاء، “كابوسًا” يوميًا للأم وأطفالها، وفق تعبيرها.

يترافق برد حمص الذي يعانيه سكان المدينة، مع واقع خدمي يزداد سوءًا وكهرباء شبه مقطوعة تمامًا، وقيود مفروضة على شراء المازوت، إذ كانت مخصصات بيع كل أسرة 100 ليتر فقط، ما جعل أسعار السوق السوداء باهظة ومغشوشة في أغلب الأحيان.

ولا يستوطن البرد الأطراف والأجساد فقط، فثمة برد آخر حلّ محل حرارة الحماس والتفاؤل بالغد، ومع تقّلص الخدمات تتقلّص الرغبات شيئًا فشيئًا، فما كان سابقًا حقًّا طبيعيًا بات أمنية بعيدة، في ظروف الحرب والغلاء وقلّة فرص العمل.

سعيد شابٌ يتحدث عن أمنياته، بعد اضطراره للنزوح من الريف المشتعل والإقامة بالمدينة، “أجد نفسي اليوم بلا أفق وبلا أحلام، كل الخيارات صعبة ولم يتبق في هذا البلد سوى من يمتلك وظيفة ودخلًا ثابتًا، لذلك أجد نفسي مع مجموعة الموظفين الباقين في حمص، مقابل أعداد كبيرة لم يعد لديها خيار سوى الهجرة أبعد ما يمكن”.

أبو سالم من أهالي تدمر يقول “أسكن الآن حمص وفوجئت برؤية الجِمال الصغيرة الفتية تذبح وتباع لحومها بأسعار زهيدة، قياسًا ببقية اللحوم، ثم عرفت أنها مسروقة من أهل البادية ومحشورة في أحد الصالات بعد جلبها بواسطة الشاحنات العسكرية”.

تباع لحوم الجِمال لأهل حمص لكونها من “ذوات الشفة المشقوقة”، التي تحرّم الطائفة العلوية أكلها، كما يقول أبو سالم، ويضيف “أشعر بالأسف لأنّه وعلى هذه الوتيرة لن يبقَ من تلك الحيوانات شيء، ثم أتذكر أنه حتى البشر لن يبق منهم أحد إذا استمرت هذه الظروف”.

بكلمات مؤثّرة تقول إميسا، وهي مُدرّسة متطوّعة في جمعيّة خيريّة للأطفال، “لشدّة البرد تنكمش على نفسك، تشعر بنفسك أكثر ربما، فيوقظ الشتاء أحاسيس لم تكن تظنّ أنّها بذلك العمق. حتّى أمراض الشتاء تبدو مألوفة، بحّة صوتك وكرة الشوك التي تتلمسها في حلقك مألوفة جدًا، تشبه إحساسك كلّ مرةابتلعت ما تودّ قوله، كي لا تنصت آذان الجدران كلّ أحاديث الناس عن اليأس، اليأس حتى من السفر، لا أحد يأمل باستعادة الحياة هنا”.

“تتكوّر كجنين تحت الغطاء، كجنين قد يودّ لو  أنه يبقى جنينًا، ولم يركل جدران رحم أمّه ليخرج”، تضيف إميسا، متسائلةً “أتعتقد أننا نسير نحو الهاوية أم وصلناها؟”.

تابعنا على تويتر


Top