هل يعتبر سلوك الأمم المتحدة تجاه سوريا بريئًا؟

محمد رشدي شربجي

تثير الطريقة التي تعمل بها الأمم المتحدة في سوريا العجب، إن لم نقل إنها تثير الشكوك، فبعيدًا عن قلق بان كي مون الدائم الذي أشبع نقدًا وسخرية، فإن حصر تدخل الأمم المتحدة خلال الثورة السورية في الإشراف على الهدن المحلية بين النظام والثوار لايعتبر أمرًا بريئًا.

تعتبر الأمم المتحدة من أبرز تجليات ما بعد الحرب العالمية الثانية، فبعد فشل “عصبة الأمم” التي تشكلت 1920 في منع اندلاع حرب عالمية ثانية، دعا الرئيس الأمريكي روزفلت 1944 “الشرطيين الأربعة” (الصين والاتحاد السوفييتي وبريطانيا والولايات المتحدة)، وأضيفت فرنسا لتكون الخامسة، إلى وضع مخطط حقيقي لأمم متحدة عاملة، وهو ما أثمر في 24 تشرين الأول 1945 عن ميلاد الأمم المتحدة، بعد تسوية الخلافات بين الدول العظمى حول حق النقض “الفيتو” وحدوده.

يقول أحد المعلقين الأمريكيين الحاضرين لمؤتمرات التأسيس إنه لولا الفيتو لما وجدت الأمم المتحدة، فهي كيان لترسيخ هيمنة الحلفاء المنتصرين وإدارة التوازنات فيما بينها، وهي لذلك دائمًا ما كانت منظمة مشلولة عاجزة عن الفعل، وأقرب لشاهد زور أحيانًا على المجازر الكبرى التي حصلت منذ إنشائها مرورًا بالمأساة الفلسطينية وآخرها المذبحة السورية المستمرة.

شرعنت الأمم المتحدة بتنسيق بريطاني تقسيم فلسطين عام 1947 إلى دولة عربية مستقلة، ودولة يهودية، وتعيين القدس مدينة دولية، لتبدأ بذلك كبرى كوارث العرب في التاريخ المعاصر، وليعيش الشرق الأوسط اضطرابًا لا ينتهي، وبدلًا من أن تسعى الأمم المتحدة لحل المشكلة من جذورها، اكتفت بإنشاء هيئة العمل والإغاثة “أونروا” 1948 للاجئين الفلسطينيين.

في سوريا كان سلوك الأمم المتحدة مشابهًا، فاكتفت بالقلق والدعوة للهدوء بدلًا من تحميل نظام الأسد المسؤولية وحشد الدعم ضده ودعوته للرحيل باعتباره مرتكبًا لجرائم إبادة موصوفة، بحسب المنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة نفسها، وعندما تطورت الثورة السلمية إلى التسلح غيرت الأمم المتحدة خطابها إلى دعوة “جميع الأطراف “لتحمل مسؤولياتهم والتوقف عن العنف.

المبعوثون الدوليون الممثلون للأمم المتحدة إلى سوريا كانوا أصدق تمثيل لهذا السلوك، إذ حاولوا حفظ مصالح الدول العظمى في سوريا، واستخدموا عبارات فضفاضة هلامية لا تصنع حلًا ولا سلامًا دائمًا، وامتنعوا عن تحميل المسؤولية للنظام أو الإشارة له باعتباره المسبب لخراب بلد بأكمله بحجم سوريا. وليس هذا بالطبع لقلة معلومات أو تشوش بالرؤية، فقد سمعنا كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، بعد استقالتهما طبعًا وفشلهما في فعل شيء، يتهمون النظام بعرقلة الحل السلمي وتدمير سوريا.

منذ حوالي العام ونصف انحصر نشاط الأمم المتحدة بالإشراف على هدن محلية هنا وهناك هي أشبه بانتصارات للأسد أكثر من كونها حلول سلم دائم، بدءًا من هدنة حمص في أيار 2014 وخروج الثوار من أحيائها القديمة المحاصرة إلى الريف الشمالي المحاصر بدوره أيضًا، انتهاءً بهدنتي الوعر والزبداني الشهر الماضي.

بالرغم من طابعها المحلي المحدود، تحظى هذه الهدن باهتمام مراكز الأبحاث العالمية التي تذخر بتحليلات تعتبرها خطوات ممتازة في طريق السلام الدائم.

ومع وجود تنظيم الدولة كلاعب جديد، واعتباره تهديدًا للمجتمع الدولي أكبر من تهديد نظام الأسد، تكتسب هذه الهدن أهمية إضافية باعتبارها تأتي ضمن توحيد الجهود للقضاء على التنظيم.

لا تستطيع الأمم المتحدة إجبار الأسد على التنحي، ولا حتى إجباره على إيقاف إسقاط البراميل المتفجرة فوق المدنيين، ولا تستطيع حتى توجيه اللوم له “ولو معنويًا” باعتباره المسؤول، ولكنها تستطيع أن تشرف على خروج ثوار الزبداني من ديارهم، وعلى نقل مقاتلي “داعش” من جنوب دمشق إلى دولتهم الوهم في الرقة.

لا تستطيع الأمم المتحدة فعل شيء لسوريا، إلا الإشراف على تقسيمها، وإظهار أي عالم متوحش يعيش فيه السوريون.

تابعنا على تويتر


Top