العصر الفارسي

أحمد الشامي

جاء رفع العقوبات عن إيران تتويجًا لمسار طويل بين “الشيطان الأكبر” و “الولي الفقيه” بدأ مع صفقة إيران- كونترا التي عقدت بموجبها إدارة الرئيس ريغان اتفاقًا مع إيران لتزويدها بأسلحة متطورة أثناء حربها مع العراق، وذلك لقاء إطلاق سراح خمسة من الأمريكين المحتجزين في لبنان برعاية “زعران” إيران هناك، حيث كان الاتفاق يقضي ببيع إيران (عن طريق الملياردير السعودي عدنان خاشقجي) ما يقارب 3000 صاروخ  “تاو” مضادة للدروع وصواريخ هوك أرض جو مضادة للطائرات (وهي الصواريخ التي لا تصل للثوار السوريين).

“إسرائيل” كانت لها حصتها في هذه الصفقة عبر إرسال عشرات الصواريخ، بعضها بشكل مباشر لإيران.

في تلك الفترة كان النظام العربي “صاعدًا”. صدام يتباهى “بالدفاع عن البوابة الشرقية للأمة العربية” ووراءه الشقيق السعودي وكل النظام العربي باستثناء “حافظ الأسد”.

العالم تغير كثيرًا منذ تلك الأيام، صدام رحل عن هذا العالم بعدما “نبشه” معلمه الأمريكي من حفرة. آل سعود يفقدون نفوذهم بسرعات ضوئية ويغرقون في مستنقع يمني كان في الماضي حديقتهم الخلفية، النظام العربي انهار بالكامل باستثناء “تونس” التي انتقلت إلى ديموقراطية لا ترضي آل سعود وطغاة العرب.

مصر، التي كانت عماد النظام العربي، تغوص في الفوضى والفقر ويتهددها مستقبل دموي في ظل “جزار رابعة”. لا داعي لذكر باقي الأنظمة، مثل ليبيا التي انهارت والسودان الذي تشظى والصومال الذي أصبح مثالًا للفوضى والحبل على الجرار.

ماذا عن إيران؟ الدولة التي كانت منبوذة ومستضعفة لدرجة جعلت الطاغية العراقي يتجرأ على غزوها، والتي عادت لتتبوأ موقعًا أكثر تقدمًا واستقرارًا من موقعها إبان حكم الشاه.

لماذا نجحت إيران وانهار النظام العربي؟ كيف انتقل الفارسي إلى موقع الريادة لدرجة جعلت العراق باحة خلفية لطهران وجعلت من سوريا موطئ قدم للإيراني نحو المتوسط؟

السعودية أكثر ثراء من إيران، ومع ذلك يتهاوى النظام السعودي ويفشل رغم كل مقالات المديح الفارغة التي يدفع ثمنها طويلو العمر؟

الجواب هو في كلمة واحدة: العقلانية.

الإيرانيون تصرفوا بدهاء وعقلانية على عكس العرب الذين تتحكم بتصرفاتهم العشوائية والجهل كي لا نقول الغباء والحمق.

إيران، على عكس بلاد العرب، فتحت ذراعيها للاجئين الشيعة الفارين من نظام القهر الصدامي وامتلكت سياسة بعيدة النظر تستفيد من غباء أعدائها. باحتضانه للشيعة من كل صوب وبثباته، نجح الولي الفقيه بإقناع الشيعة العرب وغيرهم بالموت في سبيل شيعة فارس.

إيران عرفت كيف تنعت أمريكا وإسرائيل بالشيطان الأكبر والأصغر وتتعامل معهما من تحت الطاولة لتحقيق مصالحها.

حين توقع الأمريكيون أن تعادي الثورة الإسلامية في إيران الاتحاد السوفياتي “الكافر”، تعامل الإيرانيون بدهاء مع جارهم الشرس وتركوه يستنزف نفسه في “أفغانستان”. بعدها، وحين أصبحت إيران قادرة على رد الصاع صاعين لصدام، تركه الفرس لينحر نفسه بيده بعد غزوه الكارثي للكويت.

في مواجهة الإمبراطورية الأمريكية، عرف الإيرانيون كيف ينحنون أمام العاصفة وكيف يحافظون على ما يعتبرونه أساسيًا لوجودهم ولخير شعبهم وما من عاقل يستطيع لومهم، تمامًا كما لا نستطيع لوم إسرائيل على قدرتها على استغلال غبائنا وتخلفنا وركضنا وراء الأفاقين، من العروبيين والقومجيين في الماضي ووراء الإسلامويين وجهاديي الفيسبوك والأحزمة الناسفة لاحقًا.

جاء اليهود إلى فلسطين لاجئين ثم محتلين فأقاموا دولة مزدهرة وقوة نووية وتكنولوجية ناجحة ولم نتعلم سوى الجعجعة و”كره اليهود والغرب الذي يدعمهم”.

حتى الأكراد أقاموا دولة مؤسسات مستقرة…

ها هم الإيرانيون يقيمون دولة مؤسسات قوية تدافع عن مصالحها ولم نتعلم منهم وعلى ما يبدو… لن نتعلم وسنبقى نحلم “بالخلافة الراشدة”.

تابعنا على تويتر


Top