جنيف 3 حمّال أوجه .. عود على بدء

حذام زهور عدي

قد لا تُرضي هيئة المفاوضات المنتخبة من مؤتمر الرياض بشخوصها سوريين متعددي الأهواء والمشارب والمواقف، ولكن المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي لا يستطيع إلا أن يلاحظ زخم التعاطف مع مواقفها من مسألة مفاوضات جنيف 3، ومن الأسلوب الذي يتصرف فيه الرعاة الدوليون لهذا المؤتمر. لقد لمس الشعب السوري بحدسه، حجم المراوغة والنفاق الذي يسلكه أولئك الرعاة، وكيف “يلحسون” ببساطة اليوم ما أقروه البارحة، ويصدرون تصريحات لتأكيده اليوم ثم يناقضونها غدًا، إما لتبَدل معطيات مصالحهم أو لاستراتيجيةٍ رسموها منذ بدء الثورة على حساب كوارث الشعب السوري التي لم تهز ضمائرهم قيد أنملة.

عندما وافق مجلس الأمن على جنيف 1 شعر الشعب السوري بأن في ذلك الاتفاق تسويفًا وتأجيلًا لتحقيق مطالبه، ومع ذلك بدا له أن هذا هو الممكن وفق المعطيات الداخلية (لتوفير شيء من الدماء والتشرد) والمعطيات الخارجية (توافق المجتمع الدولي على تلك البنود)، ورأى فيه انتقالًا لنظام ديموقراطي مختلف كليًا عن نظام التوحش والإجرام الذي يجثم على صدره، لكن ما حدث، هو أن النظام الأسدي رفض أي بند منه واستمر يسبح بدماء السوريين منتشيًا دون أن يأخذ أحد على يده، ثم جاء جنيف 2 وكان أحد المسرحيات الكوميدية السوداء التي اضطرت راعيها الأممي (الإبراهيمي) أن يُعلن فشلها، وتعود الدول الراعية ببساطة إلى السبات من جديد ويستمر نهر المآسي السورية بالتدفق.

ما الذي تغير اليوم غير التراجع العملي عن كثير من بنود جنيف 1؟ وما الذي يضمن تنفيذ نتائج هذا المؤتمر الذي سيبدأ بمشاورات تليها محادثات تليها مفاوضات، قد تستمر حتى يلفظ آخر سوري أنفاسه، ويطمئن السيد بوتين على قواعده، والسيد كيري على مصالحه، والولي الفقيه على خط التواصل مع حزبه المدلل، وبالطبع حتى يطمئن سيد الجميع الذي يحرك خيوط اللعبة خلف الستارة: إسرائيل، بعد أن تنهار سوريا كليًا وتتمزق خارطتها إلى القطع المرسومة لها.

لقد لمس الشعب السوري خطورة المرحلة، وأحس بأنه في مرحلتها الأخيرة، مرحلة نكون أو لا نكون، ولم تعد القضية من يُمثله أمام هؤلاء الرعاة الظلمة، إنما من يلتزم بأبسط المواقف التي تحمي وجوده ووطنه، ولذلك هبّ يدعم هيئة المفاوضات عندما أخذت مواقف غير مهادنة بالرغم من الضغوط الوقحة التي مارسها أولئك الرعاة عليها.

ما الذي يريده الشعب السوري ممن يفاوض اليوم أكثر من أن يقول لمنظميه: برهنوا عن صدق وعودكم أولًا ولو بأبسط الإجراءات؟ فك الحصار مثلًا عن الجائعين حتى الموت، من أجل أن نصدق أن بإمكانكم تنفيذ ما سيتفق عليه مهما كان ضئيلًا، هذا إذا سمح الزمان بأن نصل إلى اتفاق ما.

وحتى لا نذهب بعيدًا، فإن ما قامت به الهيئة إلى اليوم لا يخرج عما يريده معظم الشعب السوري، وما يسمح به الوضع الداخلي والخارجي، ولا أجد أي مبرر لاستمرار سيف الانتقاد الحاد لاقتناص خطأ من هنا وكلمة من هناك، وأعجب من مثقفين ممارسين للعمل السياسي يتحدثون عن أجندة الرياض التي ترفع السقف وتكاد تكون الوحيدة التي تتقدم الصفوف لوضع مطالب الشعب السوري المحقة في وجه المراوغين. هل نسي أولئك المعترضون أهمية توافق المصالح والتحالفات؟ وأي أجندة يتبعها نظام الأسد غير التسليم المطلق لأجندة المحتلين الجدد أعداء الشعب السوري؟ إن أي اتهام اليوم لهيئة المفاوضات (التي قد لا يُعجِب بعض أفرادها) بالسير وراء أجندة الرياض هو اتهام تشبيحي بالدرجة الأولى ليس للشعب السوري وثورته أي مصلحة فيه، فالمرحلة لاتحتمل المناكفات ولا الخطاب المثالي ففيهما دهاليز الشيطان الذي علينا أن نبتعد اليوم عنه.

على مثقفي الثورة السورية اليوم وكوادرها السياسية أن يقوموا باستنفار شعبي عام في الداخل والمهجر تُرفع فيه اللافتات تحت عناوين هيئة المفاوضات تمثلنا، تترافق مع مطالب الشعب السوري، تمامًا كلافتات كفرنبل والقنيطرة وغيرها، دون أن يُملى عليها، اذهبوا أو لا تذهبوا، فما تصرفت به إلى الآن يدفع للثقة بها، وهي أعلم بالظروف المحيطة، وإن كنا نرى بعضها، لقد آن الأوان للرعاة وشعوب العالم أن يسمعوا من جديد صوتًا موحدًا هادرًا للشعب السوري يذكرهم بوجوده وبأنه مازال حيًا.

إن من شأن هذا الاستنفار أولًا أن يرسم حدودًا للهيئة نفسها في حالتي الرفض أو القبول، وقاعدة تستند عليها في أي موقف تتخذه، وأفقًا للمطالب الشعبية لا يستطيع أحدُ تجاوزه. إن السوريين في المنافي مطالبون أكثر ممن بالداخل بهذا الاستنفار بسبب الحرية التي يتمتعون بها، ولتكن هبّة كبيرة مع أول يوم تُعقد فيه جلسات المؤتمر وخلال عقده سواء حضرت الهيئة أم لم تحضر، إن مثل هذه الهبّة الشعبية هي وحدها التي تفرض على الرعاة الالتزام بوعودهم ووضع مصالح الشعب السوري في ميزان حساباتهم، وليعلموا أنه إما العدالة لهذا الشعب الصامد وإما الفوضى والإرهاب الذي يتظاهرون بمحاربته ولتكن عودةٌ على بدء وبالله المستعان.

تابعنا على تويتر


Top