زاهر المبيّض.. الملاك المعذّب

حمدت الله ألف مرة أن والدة زاهر بجوار ربها، ولم تشهد ما شاهدتُ من مقاطع تُظهر آثار التعذيب على جثمان ابنها الشهيد.

زاهر المبيض.. ابن الحادية والعشرين ربيعاً، كان أول شهيد يُسلّم جثمانه لذويه بعد أن قضى نحبه تحت التعذيب من قبل قوى الأمن التابعة للفرقة الرابعة بعد أن تم اعتقاله على حاجز داريا- المعضمية، إذ أفاقت داريا يوم 2 حزيران على خبر استشهاده، فلم يتوانى الأحرار عن التحضير لتشييعه، ليزفوه شهيداً.

في تعزية الشهيد تجلس الجارات يتحدثن عنه… عن مناقبه… إذ ترثيه إحداهن وكأنه ابنها الفقيد.. وتقول: «رحمه الله فقد عانى في الحياة شديداً إذ ماتت أمه رضيعًا، وتربى بوجود خالته زوجة أبيه، التي لم تعوض حنان أمه، بل ذاق الأمرّين على يديها، وأرته ألواناً من العذاب يكاد العقل البشري يقف عاجزاً أما ما صنعت»…

وتقول أخرى: «مذ شهر فات وأنا لا أرى زاهر إلا ذاهبًا إلى المسجد أو عائدًا منه… لا أخفيكم أنه لم يكن يداوم على صلاته سابقًا! ولكن في الفترة الأخيرة لم يتوانى لحظات عن أداء فروضه»..

زاهر كما تصفه إحداهن له من اسمه نصيب إذ ألوان أزهاره أضفت على الثورة رونقاً آخر… وابيّضت صحيفته وصحيفة داريا بأبنائها الأبطال.

أما الثالثة فتقول: «زاهر ملاك داريا المعذّب… ابتسامته الملائكية لم تغب عن دار أبيه حتى بعد استشهاده… ، الكبير يحبه والصغير يركض ليضمه زاهر إليه.. كلماته، صوته، لم يغيبا عن مسمعنا ولا لحظة… حتى أننا تمر بنا لحظات ننسى أن المنية وافته فنقف ننتظر عودته إلى المنزل لنتبادل أطراف الحديث معه، إذ أصبح حديثه الوحيد في الآونة الأخيرة عن الشهادة، عن الوطن، عن التضحية في سبيل حريته…»

وتقول إحداهن: «سمعته يردد مرات عديدة أنه اشتاق لأمه…اشتاق ليشعر بضمة صدرها… ليلمس خدها الملائكي كما وصفته أخته له، اشتاق أن يكون بجوارها، لذا يريد أن يذهب ليزورها، ولكن زيارة لا يعود بعدها! يريد أن يبقى معها، وكأن المنادي أخبره أن رحلته أوشكت على النهاية، وأنه اقترب موعده مع أمه…

أما أخته فقد قالت: «أخبرني أحدهم أنه لحظة اعتقال زاهر على الحاجز طلب منه أحد رجال الأمن أن يعطيه هويته الشخصية، فأمسك زاهر بيده ووضع إصبعه على اسم أمه…وعندما طلب منه رجل الأمن أن يزحزح يده من مكانها ليرى اسم أمه، فرفض زاهر ذلك! فاسم أمه مقدّس برأيه، ولا يريد لأحد أن يراه..»

لم أدرك ما أسمع… أمه التي لم يرها.. ولم تضمه إلى حضنها…يفعل ذلك لأجلها… أم تراه حنان أخته عليه جعلها تقص علينا هذي القصة؟…

دموع والده أبكتني وصديقاتي… فلم نستطع أن نلملم دموعنا التي احتارت أتنهار لما سمعت من قصص عن ملاك داريا المعذّب؟..أم تنهار لما حلّ بالأب العجوز الذي نذر نفسه لأبنائه… فكيف سيمضي الليالي ودموعه لا تفارق عينيه أسى لفراق ابنه…

قصة زاهر حركت أشجان أمهات داريا.. إذ لم يفارق القلق عيونهن، من شدة خوفهن على أولادهن، ثم تتالت هذي العملية عدة مرات، تنتظر الأم ابنها بعد اعتقاله لتضمه إلى حضنها وتشم رائحته وتهمس في أذنه كلمات: «الله يرضى عليك ياولدي… الله يبعت لك أيام أحلى من أيامنا…» ولكن يقاطع لحظات الانتظار تلك جثمانه  تستلمه وآثار التعذيب بادية عليه… فكذا كانت حال ملك زهور داريا غياث مطر…ونمر داريا طالب السمرة… اللذين سلم جثمانيهما لذويهما بعد أن قضوا نحبهم تحت التعذيب من قبل المخابرات الجوية وميليشيات جميل حسن…

تابعنا على تويتر


Top