كلماتي حررتني… فما عساه صمتك فاعل بك؟…

-بلدي-العدد-التاسع-الأحد-1-نيسان-2012.pdf-Page-5-image-2.jpg

إنهم يغمسون رأسك في دواة الحبر تلك.. ثم يُخرجونك منها، ويُذهبون بريشتك بياض تلكم الأوراق، ويلصقون التهم بأحدهم، وينهالون بالسباب والشتائم على آخر، ويضعون بريشتك توقيعًا على ذيل ورقة فتكون نذيرًا بنهاية حياة أحدهم.. أو ربما استعملوك لتكون الحكم بين خصمين فتحكم لأحدهما بما لا يحق له، أو تستخدم لتدمر حياة أسرة فتعلن وببضع حروف طلاق الأب لأم الأطفال، أو تعجبك هذي الحال؟..

هكذا بدأ القلم الصامت حديثه.. أما أنا فلا أحد يجرؤ على الاقتراب مني، أو حتى رفع غطاء ريشتي، فأنا لا أقبل أن أكون حكماً بين متخاصمين، ولا سببًا لتشريد عائلة…

ابتسم القلم الآخر.. وبعد أن رفع رأسه من دواة الحبر قال: الأبجدية وُجدت ليكتب بها بنو آدم كلمات مميزة لها معنى..ويلحّن بحروفها أجمل التراتيل، ويزين بتلكم الكلمات بياض الأوراق فتعانق الحروف تلكم الأوراق، وأنا أضع يدي بيد ذاك الآدمي، وقد عاهدني ألا يكتب بي إلا خيرًا، وإن غفا يومًا أيقظته من غفلته، وإلا جعلته يتعثر وأنا أدّعي أنني لا أجيد الكتابة، حتى أساعده أن يجد لطريقه خلاصًا، كما  وأوحيت له مرارًا أن يكتب عن الحقيقة.. الحق.. العدل.. الصدق.. الأمانة..التضحية.. الإيثار.. والإخلاص فيها جميعًا… أن يكتب عن الطاغية وعما يفعله ببني قومه.. بأبناء شعبه، وطلبت منه أن يخط: «خاين يلي بيقتل شعبه.. ما في ذرة رحمة بقلبه»…

ألهمته أن يكتب عن المعتقلين، وألا يقيد حروف الأبجدية كما قيد الطاغية حريتهم، وأن يسجل أسماءهم ويدوّن تضحياتهم ليعلّقها وسام شرف لحظة تحررهم… وكتبنا عن المهجّرين الذين ضاقت عليهم أرض وطنهم بما رحبت، فخرجوا ناجين بأجسادهم، تاركين عقولهم مع أحلامهم في أرض وطنهم…كما ألهمته أن يكتب عن الشهيد، وزرعت له مع كل قطرة حبر فكرة يتوّج بها ذاك الشهيد قبل أن يشيّعه إلى مثواه…ألهمته أن يلقّب غياث مطر بملك الزهور، وطالب السمرة بنمر داريا، وزاهر المبيض بالملاك المعذّب، وكتبنا عن أحمد ومحمد وسامي… عن وسام ومحمود وعز الدين وصياح وعمار وإلياس…عن سمية وعبير ومهند وتيسير وحسين… عن كل شهيد أراد أن يملأ دواة الحبر هذي بدمه.. فعاهدناه أن نخط بها عن وطنه…عن حلمه الجميل.. كما كتبت وابن آدم عن أمهات قدمن أولادهن أضحية ليحيا الوطن حراً.. أمهات غسلن بدماء أبنائهن الشهداء عار الزمن الذي تركه الطاغية في قلوب الغافلين عن الحقيقة، عن أمهات ودعن أبناءهن بزغاريد علت حتى عانقت السماء، وأخريات ينتظرن حرية أبنائهن، وكلهن ثقة أن أبناءهن تحرروا لحظة اعتقالهم لأنهم أبوا أن يصمتوا أو أن يغلقوا دواة حبرهم وهم يكتبون الحقيقة… كتبنا عن أحرار داريا وحرائرها الذين وصلوا ليلهم بنهارهم ليستلهموا أفكارًا سلمية تحيا بها ثورتهم، كما ولم ننس أطفال الحرية…الذين حولوا ملاعب طفولتهم إلى مجالس للتشاور ووضع الخطط للوقوف بوجه الطاغية، رافقت طالب الحرية برحلته…بكل مظاهرة سلمية خرج بها، فكتبنا أجمل الرسائل…حملناها لافتات جبنا بها شوارع بلدي الحر، ولم نغفل فريق عنب بلدي… فلهم من ريشتي ومن دواة الحبر ألف تحية لأنهم تركوا العنان لقلمهم أن يكتب حقًا.. وأن يستلهم الحكمة من كرم الثورة.. ومن عرائش العنب البلدي الداراني.. وحتى من كل عنقود وخصلة عنب حرة أرادت أن تضفي بنكهة أخرى لثورة كرامتنا….

كتبنا عن الود بين الناس.. عن العدل بين المتخاصمين… فأنا لا أدخل في خصومة دون أن أطّلع على رأي الطرفين، ودون أن أضع كتاب الله وسنة رسوله وقانون بلدي حكمًا بينهما…وحتى إن وصل بأحد الأسر إلى الطلاق! فأنا على ثقة بأنه (إن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته)…

ولكن بالله عليك أما تُحزنك هذي الحال؟!.. أن ترى الظلم وتبقى صامتًا.. وأن ترى الطغاة يعيثون في الأرض فسادًا دون أن تحرك ريشتك لتكتب عن الحقيقة.. أما يحزنك أولئك المقيدين خلف القضبان؟.. أما أبكتك دموع الثكالى والأرامل واليتامى الصغار؟.. أما حركت شجونك وصية الشهيد؟..وكلمات المغتربين والمهجرين؟..

أنا حروفي وكلماتي حررتني.. ما عساه صمتك فاعل بك؟…

تابعنا على تويتر


Top