حماة من زاوية أخرى.. بمناسبة الذكرى 34 لمجازرها

حذام زهور عدي

عندما يأتي اسم مدينة حماة بالصحافة، لا يعني، هذه الأيام، البعد التاريخي والحضاري أو الجمالي للمدينة، وإنما يعني مجزرة عام 1982.

والحقيقة أن اضطرابات المدينة بدأت منذ عام 1964 أي بعد الانقلاب العسكري عام1963 على ما كان يُسمى الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة، وأخذت طابعًا دينيًا إسلاميًا لسببين: أولهما رائحة الخلفية الطائفية من اللجنة العسكرية التي كانت بيدها سلطة البلاد، فقد كانت المشاعر الدينية تختلط بالمشاعر السياسية الحريصة على دولة الوحدة. وثانيهما استغلال الدول الإقليمية لتلك المشاعر مع ما تبقى من تنظيم البعث القومي، ليحركوا تمردًا ما، ضد سلطة تحالف الأقليات في ذلك الوقت، وكانت مدينة حماة كما بدا الحامل الاجتماعي الأنضج له.

استمر الاضطراب في المدينة بين صعود وهبوط واستمرت المعالجة الأمنية له، بالاعتقالات وتغييب المعتقلين حتى الموت أحيانًا، وبالحملات العسكرية التي بدأت عام 1964، وفيها خرقت أولى المقدسات (قصف مئذنة جامع السلطان)، وإدخال ما سُمي بالحرس القومي (وهو ميليشيا مسلحة شكلتها السلطة، من أعضاء حزب البعث العربي الاشتراكي، لحمايتها) في قتال شوارع مع المتمردين الذين نالوا تعاطف أهل البلد.

وعكست الاختلافات داخل الحزب أجواء الاضطراب الخارجي فنشأت حركة 23 شباط ثم جاءت هزيمة 1967، فتضاعف القمع واعتقل كل من نادى بوحدة وطنية لمواجهة الهزيمة، وكان المستفيد الأكبر من ذلك حافظ الأسد الذي جرب قياس الرأي العام بحماة أوائل عام 1970 من خلال انتخابات حرة لنقابة المعلمين فيها، وأظهرت انعدام شعبية حزب البعث، إذ لم يفز أي عضوٍ من الحزب بها، كما سمح بدير الزور بانتخابات مماثلة لها وكانت النتائج متقاربة أيضًا.

وهكذا قدّم حافظ الأسد نفسه إلى أهالي حماة، بأنه المخلّص الديموقراطي لوضع سوريا المتأزم، دافعًا بوجوهٍ سنية معروفة لتكون واجهته بالحكم، واستقبلته حماة وقتها استقبال الفاتحين ولم تفكر جموع الناس التي ذبحت له الخراف والجمال بمذهبه أو مسؤوليته عن الهزيمة، بل صدّقت وعوده الديموقراطية و كان التأييد حقيقيًا تلك المرة.

لكنه بدأ بعد استلام السلطة بسحب الوعود الديموقراطية شيئًا فشيئًا، فشكل الجبهة التقدمية بقيادة حزب البعث وفق نصيحة الأصدقاء السوفييت الذين كانوا يمارسون هذا الغطاء الشكلاني للديموقراطية في الدول الشرقية التابعة لهم.

وبالوقت نفسه عمل على شرذمة أي حزب أو مجموعة معارضة، وبدأ بناء نظامٍ طائفيٍ ديكتاتوري باسم قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، بحسب الدستور الجديد الذي أعطاه الصلاحيات المطلقة كنظام رئاسي، في ظل حالة الطوارئ المفروضة منذ 8 آذار 1963.

أما المعارضة السياسية فبعضها تحالف مع الأسد كأتباع، وحجتهم أن البلاد كانت في حالة حرب استنزاف لاسترجاع الجولان المفقود، وآخرون ابتعدوا واكتفوا بنضال البيانات التي كانت تنتقد الممارسات الأمنية والتوجه الاستبدادي للسلطة، واستمر الأمر حتى حرب 1973 واسترداد جيب القنيطرة وتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار المعروفة.

في حماة كان الحراك السياسي في المدينة ملفتًا للنظر، من جهة كان البعث ينشط في استجلاب الأتباع بالضغط المعيشي عليهم، فأعلن أنه لا عمل لأحدٍ إن لم يكن منتسبًا للحزب، لضمان الولاء للسلطة وتحويلهم بعدها إلى عملاء للأجهزة الأمنية، (تحت حالة الطوارئ، كان أي عملٍ خاص أو عام يحتاج إلى موافقة أمنية).

ومن جهة أخرى كانت تُحارب أي اتجاهات تقدمية، تمثل معارضة ديموقراطية حقيقية، والأغرب أن غض البصر الأمني كان فقط عن الاتجاه السلفي الإسلامي، الذي كان يزحف على المدينة مستفيدًا من الفراغ السياسي.

وكانت الوجوه الديموقراطية المعروفة بحماة تتلمس سياسة غير مفهومة للسلطة دون أن تدرك أبعادها، فمثلًا، في مجال التعليم، أُبعدت 18 مديرة مدرسة ابتدائية دفعة واحدة كن يُعرفن بخلفيتهن الديموقراطية التقدمية، واستعيض عنهن بأخريات إما من البعث أو من التيار السلفي، كما جرت تنقلات وتساهل أمني بإعارات المدرسين التقدميين إلى دول الخليج وأيضًا تعيين الموالين أوالسلفيين بديلًا عنهم، وكانت نتيجة هذه السياسة تنامي سيطرة التيار الديني المتطرف بالمدينة، وبمعظم المناطق ذات الأغلبية السنية.

لماذا حدث هذا؟ وما المنطق السياسي فيه؟ بالوقت الذي كانت رياح الاضطراب والعنف تعصف بالأجواء الإقليمية كلها.

ففي لبنان، كانت الحرب الأهلية على قدم وساق بحيث صار مبررًا دخول الجيش السوري إلى بيروت عام 1976 باتفاق أمريكي، إسرائيلي، سوري، ونفذ مجازر مخيمات تل الزعتر وبرج البراجنة. بعدها وصلت طلائع رياح العنف إلى سوريا، ووجدت ملاذًا لها في حماة، واكتملت الصورة بمعاهدة كامب ديفيد التي أبرمها السادات بمعزل عن سوريا، عام 1978 أعقبها دخول الجيش الإسرائيلي إلى جنوب لبنان بغرض طرد المقاومة الفلسطينية منه، بينما كان عراق صدام داخلًا في لعبة توتير المنطقة متفقًا مع الأردن في ذلك.

لاحظت وجوه المدينة الأوضاع الغريبة فيها، ونادت للعمل على إنقاذها، وتبنت ما عُرف وقتها بحركة النقابات، التي أصدرت بيانات تحت عنوان “الدين لله والوطن للجميع” وناشدت السلطة الإصلاح قبل فوات الأوان، منطلقة من خشية استغلال الأيدي الخارجية لها بعد أن بدأت المناوشات مع الأجهزة الأمنية وبدأ مسلسل الاغتيالات الذي كان يُتهم فيه البعث العراقي تارة والإخوان المسلمون تارة أخرى.

وحذرت الحركة من الانزلاق إلى وضع خطير، ثم شملت سوريا كلها وتجاوب معها الشباب اليساري والوسطي، لكن رياح الهاوية لم تهب وفق ما سعت إليه سفن الإنقاذ، ورد رئيس البلاد بعنف أقسى وأمر، وقام باعتقالات عشوائية واسعة، وسرب ضباط جيشه العقائدي التهديدات المتلاحقة بتسوية حماة بالأرض، وقال شقيقه رفعت الأسد إنها “ستُمحى من الجغرافيا”.

وفي شباط من عام 1982 وضعت الخطة لتفجير المدينة، فسُحب الجيش والأجهزة الأمنية منها، وألقت السلطة البنادق أمام الجوامع، وأمرت المؤذنين بالدعوة إلى الجهاد، وخرج مئتان أو ثلاثمئة شاب غررت بهم أيادي الخارج والداخل، إلى القتال، ودُمرت المدينة بشرًا وحجرًا، وقُتل واعتقل كثير من شباب سوريا باسمها، ونال حافظ الأسد بعد تدميرها النفوذ الذي سعى إليه في قضايا المنطقة، لتحسب له القوى العالمية الحساب المناسب لقوته.

لماذا اختار حافظ الأسد مدينة حماة للوصول إلى ما وصل إليه؟ لماذا كان الوجه الآخر عملة تلك المجموعات المتطرفة المحلية؟ ولماذا كانت القوى الإقليمية تدفع أيضًا باتجاه التفجير؟ هل هو غباء سياسي أم مخطط كان أكبر من الإدراك؟ لاشك أن الأحداث التي تتابعت بعدها، وأهمها توريث السلطة، كشفت بعضًا من تلك الخيوط لكن الشبكة كلها ماتزال مخبأة في ثنايا التاريخ بانتظار أن تكشف عنها الأجيال القادمة.

تابعنا على تويتر


Top