أهمية العدالة الانتقالية في سياق الثورة السورية

legal-services-660x330.jpg

رضوان-زيادةرضوان زيادة

انطلقت الثورة السورية من أجل تحقيق حلم لطالما حلم السوريون به، إنه حلم الحرية في بساطتها، بيد أن ثمنها بالنسبة لهم كان وما زال غاليًا. كنا نعتقد أن أنظمة كالخمير الحمر في كمبوديا والنظام النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا وبينوشيه في تشيلي، كنا نعتقد أن أنظمة كهذا النوع قد انقرضت، وكنا نظن – وبعض الظن إثم – أن المجتمع الدولي تطور لدرجة لن يسمح معها بظهور نظام شبيه بتلك الأنظمة في زماننا وعصرنا.

بيد أن ما تشهده سوريا اليوم ويعيشه السوريون في كل لحظة يبدّد كل ذلك ويجعله مجرد أكاذيب. بعد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي جرت في يوغسلافيا السابقة تطور النظام الدولي باتجاه ما يعرف حماية المدنيين ومنع وقوع جرائم الإبادة قبل معالجة آثارها أو محاولة تجنبها قبل التعامل مع نتائجها بعد وقوعها، فتأسست محكمة الجنايات الدولية في عام ٢٠٠٢ وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام ٢٠٠٥ ما بات يعرف بمبدأ حماية المدنيين متجاوزة المبدأ التقليدي في حماية سيادة الدول، وإدراكًا أنه عندما ترتكب الأنظمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فإنها تفقد سيادتها ويصبح لِزامًا على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته في اتخاذ كل التدابير الضرورية من أجل حماية المدنيين ومنع وقوع الجرائم بحقهم.

للأسف فإن ما يجري في سوريا قصة مختلفة، إذ ترك المجتمع الدولي السوريين كي يعيشوا الألم لوحدهم، يُقتلون يوميًا بأنواع مختلفة من الأسلحة لا قبل لهم بها، فالقصف الجوي بالطائرات الحربية المقاتلة حصدت أرواح أكثر من ٢٠ ألف مدني إلى الآن. واليوم بدأ الأسد بتكثيف استخدام الصواريخ البالستية بعيدة المدى، والتي تصنف ضمن أسلحة الدمار الشامل، ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته غير عابئ بعدد الأرواح التي يمكن أن تحصدها هذه الصواريخ، وغير مكترث لحجم الدمار الذي يمكن أن تخلفه في المناطق السكنية والبنى التحتية، هذا فضلًا عن ترسانة كاملة من الأسلحة المحرمة دوليًا، والتي استخدمت وتستخدم يوميًا بحق الشعب السوري من القنابل العنقودية والفراغية إلى الألغام الفردية والبحرية وغيرها. بالتأكيد لم يكن الأسد ليتجرأ على استخدام كل هذه الترسانة لولا أنه لقي لا مبالاةً تامةً من المجتمع الدولي، ومراوغة وكذبًا في تغيير ألوان الخطوط الخضر والحمر، وعليه إذا ما قرر المجتمع الدولي أن يستمر في لا مبالاته والأسد في جنونه في استخدام كل الترسانة العسكرية والصاروخية ضد شعبه تكون سورية حينها قد أصبحت الجحيم بعينه.

بدأ المسؤولون الغربيون والإعلام الغربي بوصف ما يجري في سوريا على أنه حرب أهلية، ورغم قناعتنا التامة ببعد هذا المصطلح تمامًا عما يجري داخل الأراضي السورية، إذ إنها ثورة شعبية ضد نظام استبدادي، إلا أننا إذا قمنا بمقارنة بسيطة لعدد الضحايا مع عددها في بلدان أخرى عاشت ظروفًا من الحرب الأهلية كالبيرو على سبيل المثال والتي امتد فيها الصراع المسلح بين الدرب المضيء المدعومة من الأرياف وبين الأجهزة الأمنية الحكومية التي قررت القضاء على الإرهاب بما أسمته إرهاب البيئة الحاضنة فقد امتد الصراع لمدة عشرين عام، من عام ١٩٨٠ وحتى عام ٢٠٠٠ وكان عدد الضحايا أكثر من ٧٠ ألفًا وفقًا لتقرير لجنة الحقيقة والمصالحة النهائي، لوجدنا أن الأسد وفي أقل من عامين بلغ عدد الضحايا أكثر من ٦٠ ألفًا، وأكثر من ٩٠ بالمائة منهم من المدنيين. وكانت المفوضة السامية لحقوق الإنسان ذكرت في إيجازها في مجلس الأمن أن عدد الضحايا ارتفع من ألف شهريًا مع بداية الثورة بسبب استخدام الأجهزة الأمنية المكثف في إطلاق النار على المتظاهرين السلميين إلى خمسة آلاف شهريًا بسبب استخدام النظام السوري المكثف لسلاح الطيران والأسلحة الثقيلة كراجمات الصواريخ والقنابل الفراغية والعنقودية.

كل ذلك ينقلنا إلى القول أنه إذا ما سُمح للأسد في الاستمرار في حربه ضد الشعب السوري فإن عدد الضحايا سيكون مرشحًا لأن يبلغ أكثر من ١٥٠ ألفًا بسبب التزايد الملحوظ للعنف والارتفاع الكبير في عدد المختفين قسريًا والمعتقلين الذين هم عرضة للوفاة تحت التعذيب الشديد كما نشهد على حالات مماثلة يوميًا ومنذ بداية الثورة، إذ لم تكف آلة التعذيب عن حصد ضحاياها بشكل يومي في مؤشر على مدى وحشية الأجهزة الأمنية السورية واستخفافها الكامل بالأرواح البشرية للسوريين.

هذا يعني أنه لا إمكانية لبدء عملية حقيقية من العدالة الانتقالية في سوريا إذا لم تترافق مع انتهاء كامل للعنف ولآلة الدمار اليومية وبدء نوع من الاستقرار السياسي يتيح بدء عملية الانتقال السياسي نحو التعددية والديمقراطية والمصالحة بين السوريين ونهاية نظام الأسد الدكتاتوري. فكما علمتنا كل تجارب العدالة الانتقالية عبر العالم، فهي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسار الانتقال السياسي، كما أنها تعتمد بشكل رئيسي على توفر الإرادة السياسية والرؤية لدى كل اللاعبين والقوى السياسية على الأرض، شعورها أولًا بأن الاستقرار الأمني والسياسي يتطلب إطلاق عملية العدالة الانتقالية يُشعر الضحايا معها أن المسؤولين عن ارتكاب الجرائم بحق أبنائهم وبناتهم سيمثلون أمام العدالة، وأن زمن الإفلات من العقاب والمحاسبة انتهى، ويشعر السوريون كلهم بدون استثناء أن هناك مسارًا للمصالحة الوطنية يشترك به كل ممثليهم وقواهم بهدف ضمان التعددية الكافية والصدقية الضرورية.

لا يمكن لأحدٍ أن يتحدث باسم الضحايا أو ينطق اسمهم، وقضية العدالة بالنسبة لهم لا تسامح ولا التفاف أو تهاون فيها، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة السورية كمؤسسات ذات صدقية في عيون المواطنين السوريين، ندرك حجم الأذى الفادح الذي لحق بالجهاز القضائي وبدوره في الحياة العامة في سوريا ومعنا اليوم عدد كبير من القضاة الذين أتوا من سوريا ومارسوا عملهم حتى وقت من انشقاقهم وتأسيسهم لما يسمى مجلس القضاء السوري الحر، وعليه فلن يكون النظام القضائي مُعدًا أو مهيأ أو حتى قادرًا على إطلاق عملية المحاسبة الضرورية التي ينشدها أهل الضحايا. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الانقسام المجتمعي الحاصل في سوريا اليوم بسبب الموقف من الأسد ومليشياته وتصعيد الأسد عبر التخويف أو تحريض المكونات المجتمعية السورية ضد بعضها البعض وآخرها تأسيس ما أطلق عليه جيش الدفاع الوطني الذي هو عمليًا مأسسة حكومية لمليشيات الشبيحة الشبه نظامية التي تدخل في إطار القانون ما يمكن تسميته بالمرتزقة إذ أن تشكيلتها ليست سورية خالصة كما تؤكد شهادات العيان والتقارير الصحفية المتزايدة، وهي ستمثل تهديدًا متزايدًا للاستقرار ولبدء أية عملية للمحاسبة والعدالة. وهنا يأتي خيار اللجوء إلى ما يسمى العدالة الدولية، فجرائم الأسد في الحرب وجرائمه ضد الإنسانية تدخل بكل تأكيد في اختصاص محكمة الجنايات الدولية، ولكن وبسبب الموقف الروسي في مجلس الأمن الذي يمنع إحالة الجرائم المرتكبة في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية، فإن أية حكومة مستقبلية تشكلها المعارضة أو تتشكل بعد سقوط نظام الأسد يمكن لها أن تصادق على اتفاق روما الأساسي المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية، وعندها يمكن للمدعي العام أن يفتح تحقيقًا في تلك الجرائم. مسار العدالة الدولية ليس بالتأكيد خيارًا مثاليًا، إذ يتصف بالبطء الشديد في وقت يحتاج الضحايا فيه إلى أن حقهم لن يضيع ولن يتم تجاهله في أية تسويات سياسية، لكن خيار العدالة الدولية في مجتمعات منقسمة يبقى الخيار الأفضل، إذ سيرسل الرسالة إلى كل السوريين أن الانتقام ليس هو الهدف كما أنه يطمئنهم أن أشد معايير العدالة والشفافية الدولية سيجري ضمانها، ولكن يكون الهدف استهداف طائفة بعينها أو محاسبتها، وإنما تأسيس مسار للعدالة يضمن تأسيس سورية المستقبل على أسس صحيحة. وبنفس الوقت فإن ذلك يعطي ثقة أكبر من المجتمع الدولي بالنظام الجديد والتزامه بالعدالة والمصالحة، وأن لا مكان لسياسات الثأر أو الانتقام ضمن برنامجه. فالسوريون سيحتاجون إلى المجتمع الدولي الذي خذلهم لإعمار بلدهم وبناء مؤسساتهم المستقبلية بكل الأحوال، وبناء الثقة فيه مسألة في غاية الأهمية، لكن عليهم أن يدركوا أيضًا أن هناك حدودًا للمساعدة يمكن أن يقدمها المجتمع الدولي وأن عليهم في النهاية الاعتماد على أنفسهم في بناء ديمقراطيتهم في المستقبل.

وبهدف إطلاق مسار العدالة الانتقالية في سوريا تأسست اللجنة الوطنية التحضيرية للعدالة الانتقالية بعد مؤتمر «ضمانات العدالة للضحايا والمحاسبة لمرتكبي الجرائم: مسار العدالة الإنتقالية في سوريا» الذي نظمه المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية في استانبول من 26-27 كانون الثاني /يناير 2013، وقد شارك في هذا المؤتمر عدد كبير من ممثلي القوى السياسية وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والقضاة والمحامين الذين سيكون الاعتماد عليهم كبيرًا في المرحلة المستقبلية. كما شهد المؤتمر تأسيس جمعية مدنية لعائلات شهداء الثورة بحضور ممثلي عائلات لأبرز شهداء الثورة السورية الذين صنعوا بنضالهم وشهادتهم حلم السوريين الكبير في التحرر من نظام الأسد نظام العبودية الجاثم على صدر السوريين لأكثر من أربعين عامًا، وستضع اللجنة الوطنية التحضرية للعدالة الانتقالية في سوريا على عاتقها البرامج والتصورات والسياسات الضرورية الخاصة بالعدالة الانتقالية في المرحلة المستقبلية.

تابعنا على تويتر


Top