خطاب الخذلان و “كلهم خذلونا”

فادي القاضي

هناك العديد من المشاكل ذات الطبيعة البنيوية في الخطاب السوري المُعارض لنظام بشار الأسد. وبرأيي، فإن الحملة التي اتخذت من “كلهم خذلونا” شعارًا لها في الأسابيع الماضية، تعكسُ بعضًا من هذا الخطاب، والذي لا أستطيع وصفه سوى بالكارثي.

ومن أبرز المشاكل، هي أولًا عدم وجود حاضنة جامعة لهذا الخطاب، وهي مشكلةٌ أصيلةٌ وعميقةٌ، اتسم بها أداء الحراك الثوري في مراحل ما بعد الانتفاضة السلمية، وإبان دخوله، أي الحراك، مراحل الانتقال إلى الاشتباك المسلح، ووصولًا الى الحالة الراهنة التي يفشل أي اطار أكاديمي، أو بحثي، أو سياسي عملي، بتوصيفها. ولا أعتقد أن الحديث يدور هنا حول “مرجعية” هذا الخطاب أو حتى وجود مرجعية واحدة ينطلق منها، بل على العكس، فهو يتمحور حول فكرة أن أي خطاب لتيار واسع من الناس، والقوى، والمنظمات والتشكيلات، لا بد أن يتكون من مفردات تعكس حقيقة المصالح التي يمثلها هذا التيار. وفي الحالة الراهنة، والحديث عن التيار العريض المُعارض لنظام الأسد، فالخطاب تميز بالعديد من السمات الإشكالية الواضحة.

وأبرز هذه السمات، هي عدم ثباته، وعدم استقراره، وعدم انسجامه (مع بعضه البعض). ومن مشاكل “كلهم خذلونا” على سبيل المثال، أنه شعارٌ يميل إلى تسطيح ظواهر العلاقات السياسية، والمصالح المتضاربة، ويقيس الأشياء على قاعدة ما حصل بالأمس القريب، وليس على مدى السنوات. وليس في ما أقوله حجةٌ تناهضُ فكرة ما يذهب إليه الشعار من نكوص الأطراف الدولية عن أداء واجباتها تجاه جماهير السوريين المطحونة تحت وطأة ضربات نظام الأسد وطائرات بوتين وميليشيا حزب الله. على الإطلاق، لكنه (أي الشعار) مُضِللٌ ومُضَلل، فهو يفترض الخذلان من قوى غربية وعربية كان مرددو الشعار أنفسهم يدعونها إلى إنشاء منطفة حظر جوي وإرسال الأسلحة للمعارضة، بل وتمجيد لبعض هذه القوى في دعمها لبعض أطراف المعارضة المسلحة.

والخطاب المُعاصر في هذا المضمار يُخفقُ في تحديد الجهة المُخاطَبة. فلمن يتوجه هذا الخطاب؟ ويخفق الخطاب المعاصر في تحديد هوية من يُمثله؟ ففي حال “كلهم خذلونا”، من هو المخذول؟ أهي التنظيمات المسلحة التي توقف مدادها العسكري وتسليحها من دول الخليج أو بعض دول الغرب؟ أم هل المخذول هم المؤسسات المدنية التي باتت عاجزةً عن تأمين أبسط المساعدات الإنسانية لمئات آلاف الفارين من جحيم قصف روسيا على ريف حلب؟ أم هل المخذول هو التشكيلات السياسية التي تمثل الصوت السوري المُعارض لنظام الأسد (أو على الأقل بعضًا من هذا الصوت)؟

وأخيرًا، يخفق خطاب الخذلان في أن يعكس مطلبًا واضحًا. ما المطلوب؟ تسليحُ “المجاهدين” أم تشجيع التدخل العسكري لدول بعينها أم تأمين اللاجئين أم إقامة مناطق حماية للمدنيين؟ كل هذا مطروحٌ على طاولة من يُفكرون بمأسسة الخطاب السوري المُعارض لنظام بشار الأسد. من غير المعقول أن يبقى السوريون بلا تصور ولو كان نظريًا عن المستقبل الذي ينشدونه، مهما كان داميًا، وشاقًا، وجارحًا ومأساويًا.

تابعنا على تويتر


Top