الأسد أولًا

حذام زهور عدي

في المؤتمرات التي عُقدت من أجل سوريا، والتي أشرفت عليها الأمم المتحدة، كان الخلاف (النظري) يتمحور حول مصير الأسد، وكانت المفاوضات تنحصر في جنيف 1 حول كيفية إخراج مرحلة الانتقال السياسي دون إحداث انهيار بالدولة والمجتمع. ولم تكن فكرة الإرهاب قد أخذت أبعادها بعد، لا على أرض الواقع ولا في المباحثات السياسية الدولية، وخرج المجتمعون منه بصيغة توافقية تحقق الأهداف التي رسموها للمؤتمر. لكن النظام وداعميه أفشلوا تنفيذه، وتجاهل المجتمع الدولي (الغرب بقيادته الأمريكية) قراراته، واستمرت طاحونة العنف تطحن أجساد الشعب المسكين، الذي ثار من أجل حريته وكرامته وما كان يدري أنه سيحرر العالم كله بدمائه.

في جنيف 2 ركب النظام الأسدي حجة الإرهاب، بعد أن سمح له، إن لم نقل صنعه، بالتمدد ليخيف العالم به ويحرف توجههم عن إدانته، ففشل المؤتمر وانتهى منذ اليوم الأول والحجة: الإرهاب أولًا.

فالأسد بسبب حرصه على أمن بلده والعالم لن يترك الكرسي قبل القضاء على الإرهاب! وبالطبع فإن حلفاءه شنوا حملة إعلامية جامعة مانعة تحت شعار الإرهاب أولًا. أما أصدقاء الشعب السوري، فقد اكتفوا بتصريحات تستنكر وحشيته وتخلصه من جزء كبير أو صغير من سلاحه الكيماوي، لكنهم كانوا يتحركون سياسيًا تحت شعار: الأسد فاقد الشرعية ولابد من الإطاحة به حتى ينتهي الإرهاب.

استمر النظام ومن معه بممارسة سياسة التهجير والقتل واصطناع الكوارث داخليًا، وحرك خلاياه الإرهابية النائمة خارجيًا، وتعمد ترك أدلة تشير إليه دون أن تدينه قانونيًا، وأرعب أصدقاء الشعب السوري بها، وعُقدت لقاءات ومؤتمرات في القاهرة وموسكو والأستانة وفيينا 1 وفيينا 2 للإجابة على سؤال: من أولًا؟ الأسد أم الإرهاب؟ وجالت طائرات التحالف العالمي تقصف إرهاب داعش، لكن النتائج كانت زيادة تمدد هذه الداعش واستمرار الأسد في سلطته البربرية.

أعاد من يسمون “أصدقاء الشعب السوري” حساباتهم، وتوصلوا إلى فكرة للتسوية، لِمَ لا يكون الإرهاب والأسد معًا والمعركة العسكرية باتجاه الإرهاب والعمل السياسي باتجاه الأسد. وهكذا بدأ يُسوّق بالإعلام الغربي والعالمي وفي اللقاءات شعار “الإرهاب والأسد بشكل متوازٍ”، وغاب الحديث عن الشرعية، كما أخفيت الوثائق التي نُشرت سابقًا عن علاقة قوات الأسد بالإرهاب والكيماوي وغيره، واشتد هذا القصف الإعلامي بعد إرهاب باريس وتهديد ألمانيا وبلجيكا، وعملت الآلة الإيرانية والروسية على الإيحاء للعالم بأنه لا يمكن محاربة الإرهاب إلا بالتعاون مع الأسد، فهو “القوة” الموجودة على الأرض والتي يمكن استثمارها لمحاربة الإرهاب، وتسربت أصوات تدعي الانتساب لمعسكر الشعب السوري، تدعو للقبول مدة أشهر به حتى لا تنهار الدولة، ثم زادت فطلبت القبول به لمرحلة انتقالية مدتها 18 شهرًا، وتحدثت عن إمكانية التصالح بين المعارضة المسلحة والنظام لتشكيل جيش يقاتل الإرهاب على الأرض، وستقوم الدول الكبرى بمهمة الجمع بين المعارضة والنظام الأسدي للتوصل إلى تحقيق ذلك الهدف.

لكنّ التدخل الروسي بأحدث أسلحته وبسياسة الأرض المحروقة لم يترك فرصة حتى لمثل تلك التسوية، وأصرت طائراته جوًا بالتنسيق مع القوات الإيرانية أرضًا أن تتهم المعارضة المسلحة بالإرهاب، وتبرر لنفسها الإبادة التامة لها ولما تدعيه أنه الحاضنة الشعبية المدنية لهذا الإرهاب. وبعد أن حققت قيادة بوتين مكاسب أرضية تظاهرت بالعمل على حل سياسي من خلال موافقتها على قرار مجلس الأمن 2254، الذي سحب الكثير من مكاسب جنيف 1، وأوهمت الشعب السوري بأنها تحمل الحل الذي ينهي مأساتهم ويعطيهم شيئًا ما، شيئًا شبيهًا بما ثاروا لأجله، ناورت وأوحت لزملائها الأمريكيين أنها جادة بما تعرضه، لكن عليهم أن يدفعوا المعارضة السورية للذهاب إلى جنيف 3، دون أن تُعفي الشعب المسكين من صاروخ واحد أو تترك عائلة واحدة تنام في منزلها قريرة العين.

ذهبت المعارضة بعد تمنّع وبعد أن ظنت أنها قطعت الزواريب والصخور التي أعدتها السياسة البوتينية في طريقها، ولم تفاجأ بكذب الوعود فقط لكنها فوجئت بأنهم يريدون مقايضة الحالات الإنسانية الكارثية بالاعتراف ببقاء الأسد والسكوت على جرائمه كلها، وتوقيع صك الاستسلام، أما أصوات طائراتهم وقنواتهم فقد لعلعت بشعار جديد، الأسد أولًا… ثم بعد تثبيته واستمراره ، نحارب الإرهاب ونتفق على أمور إصلاح النظام!

لكن الشعب السوري أيضًا قال كلمته، بالرغم من الكوارث التي أوقعوه بها، وما زالوا، ورفع أبناؤه اللافتات التي تمثل الضمير السوري أصدق تمثيل: الشعب يريد إسقاط النظام، الشعب يريد محاكمة الأسد ونظامه على إراقة دم كل طفل وشاب وامرأة ورجل، على كل روح أزهقت بالبحر أو بالبرد أو الجوع أو تحت الردم أو في السجون، على أصوات المغتصبات والحرائر اللواتي باعهن كجواري في أسواق نخاسة حزب الله وأسياده، أجل الأسد أولًا ولكن كما يريد الشعب السوري وليس روسيا وإيران وصمت الأمريكيين.

تابعنا على تويتر


Top