"أرفاد" الغائرة في القِدَم.. ناصرت قضايا الكرد والعرب

تل رفعت.. مسيرة ثورية ونهاية “صفراء”

dghty675.jpg

عبادة كوجان- عنب بلدي

تتمايز تل رفعت عن باقي مدن الريف الحلبي، فهي أولى الثائرات ضد نظام الأسد في الشمال السوري. لفظته مبكرًا، وطردت تنظيم الدولةعسكريًا وفكريًا خلال مراحل الثورة المعقدة“. ناصرت قضايا السوريين عمومًا، والأكراد خصوصًا، قبل أن تدخلها قوات سوريا الديموقراطيةوتضمها إلى مكتسبات الـPYD” أو ما يعرف باسم وحدات حماية الشعب (الكردية).

مايزال أهالي  تل رفعت يرددون اسم المدينة القديم “أرفاد”، ويفتخرون بأنها كانت العاصمة الرئيسية لمملكة “بيت أغوشي” الآرامية في القرن التاسع قبل الميلاد، والتي ضمت مدينة حلب في تلك الحقبة.

ثلاث بعثات للتنقيب عن الآثار، شهدتها تل رفعت بين عامي 1950- 1964، أظهرت أن المدينة الواقعة شمال حلب 35 كيلومترًا، تعاقبت عليها تسع حضارات، ابتداءً من العصر الكالكوليتكي في الألف الخامسة قبل الميلاد، وحتى العصر الروماني من القرن الأول قبل الميلاد وحتى الرابع الميلادي.

وتقول المراجع التاريخية التي استندت إليها عنب بلدي في التقرير، إن هذه المدينة التي لا تبعد عن الحدود مع تركيا سوى 13 كيلومترًا، قد أطلق عليها المسمى الحالي (تل رفعت) من قبل السلطنة العثمانية، إبّان دخولها سوريا مطلع القرن السادس عشر.

تل رفعت دخلت الثورة باكرًا

عند قراءة الحراك الثوري في محافظة حلب منذ بداياته، نجد أن ثلاث مدن رئيسية في الشمال كانت “منبع” الثورة الحلبية، وهي تل رفعت ومارع وعندان، وواكبت هذه المدن سلمية الثورة وعسكرتها، وكان لها الدور الأكبر في تحرير معظم مناطق الشمال السوري.

تل رفعت خرجت باكرًا تنادي بالحرية، فكانت أولى مظاهراتها (نيسان 2011) نصرة لمدينة درعا المحاصرة من قبل قوات الأسد في ذلك الوقت، واستمر أبناؤها بالتظاهر ضد النظام السوري، إلى أن سقط أول شهدائها في أيلول 2011، جراء حملة أمنية واسعة شنها النظام على المدينة.

تطوّر الحراك السلمي في المدينة، وتحولت مظاهراتها إلى كرنفالات، إلى أن اقتحمتها قوات الأسد للمرة الثانية في نيسان 2012، فأحرقت عددًا من منازلها ومحالها التجارية، وقتلت 14 شابًا من عائلة واحدة، وأحدثت في المدينة دمارًا وأضرارًا كبيرة.

عاد الهدوء إلى تل رفعت، وعاود أهلها خروجهم ضد الأسد بمظاهرات أكبر، وتأسست فيها أول لجنة شرعية من أبناء المدينة، تقضي في أمور أهلها والقرى المجاورة، في ظل انحسار دور مؤسسات الدولة رويدًا، وتطور الأمر بعد ذلك إلى “هيئة العلماء المسلمين لحلب وريفها”، والتي تدعمها لجنة ضابطة من الجيش الحر.

شاركت فصائل الجيش الحر في المدينة بتحرير عدد من مناطق المحافظة، أبرزها مدينة اعزاز ومدرسة المشاة وأحياء حلب الشرقية ومطار منغ وغيرها.

فكرٌ ثوري.. بعيدًا عن الأدلجة

لم يحتمل أهالي تل رفعت وجود تنظيم “عابر للحدود” في مدينتهم، يحمل أفكارًا ورايات سوداء، تخالف الألوان التي حملها أبناؤها في مظاهراتهم، فطردوا “التنظيم” مطلع كانون الثاني 2014، وامتدت الحملة لتشمل مدينة حلب وكامل الريف الشمالي.

مقاتلو المدينة يندرجون بمعظمهم في خانة “الجيش الحر”، إضافة إلى وجود فصائل منضوية في حركة أحرار الشام الإسلامية وجبهة النصرة، لكن بنسبة أقل، ما جعل تل رفعت مسرحًا لنشاطات مدنية وثقافية منوعة، تتعثر أحيانًا بسيارات مفخخة يرسلها التنظيم من الشرق، أو غارات لطيران الأسد غالبًا ما تحدث مجازر.

علم الاستقلال هو الحاضر الأكبر في مظاهرات المدينة، في غياب للرايات الأخرى التي تندرج جميعها في خانة “الإسلامية” بألوان وغايات مختلفة، الأمر الذي أضفى على تل رفعت صفة الاعتدال، تمامًا كما هم أهلها البسطاء.

اجتياح ذويالرايات الصفراء

حين رفع أهالي تل رفعت رايات مناصرة للقضية الكردية (آذار 2012)، في جمعة أطلق عليها ناشطون سوريون “جمعة الوفاء للانتفاضة الكردية 2004″، كانت أقصى أمنياتهم أن تجتمع أطياف الشعب السوري على كلمة سواء، وهي إسقاط نظام الأسد وبناء دولة مواطنة، لا تضيع فيها الحقوق.

لكن الثورة دخلت مرحلة “التعقيد” وكثرت الرايات (السوداء والصفراء..)، وتأدلجت الرؤى لدى عشرات الفصائل، بما فيها قوات “سوريا الديموقراطية”، والتي تضم خليطًا من أكراد وتركمان وسريان وآشوريين وعرب، اجتمعوا على تأسيس “كانتون” يجتزء الشمال السوري، وتحارب كل من فيه، عدا الأسد.

مطلع شباط الجاري، شنت قوات الأسد هجومًا بريًا واسعًا، اعتمدت فيه على ميليشيات أجنبية ودعم جوي روسي، واستطاعت فصل حلب وريفها القريب عن المنطقة الشمالية، وأمست مدن تل رفعت ومارع واعزاز بحكم المحاصرة من ثلاث جهات، ولا سيما أن “سوريا الديموقراطية”، التي تعتبر وحدات حماية الشعب (الكردية) العامود الفقري لها، باتت تتوسع غربًا من منطقة عفرين.

وفي الخامس عشر من شباط، سيطرت “سوريا الديموقراطية” على مدينة تل رفعت، عقب معارك ومواجهات مع من تبقى من فصائلها، والتي أنهكها مواجهة ثلاثة أعداء يتربصون بها (داعش شرقًا، قوات الأسد جنوبًا، الوحدات الكردية غربًا)، في ظل نزوح معظم سكانها نحو الحدود مع تركيا.

تابعنا على تويتر


Top