دانا

 ملاذ الزعبي

في أواسط التسعينيات، بينما كنت ما أزال في الصف السادس الابتدائي أو الأول الإعدادي، كانت ثمة فتاة والدتها يوغوسلافية* تقطن ليس بعيدًا عن حارتنا، اسمها دانا العقاد على ما أذكر. كانت دانا أول صبية في التاريخ المجيد لحارتنا والحارات المجاورة وصلت إلى سنّ البكالوريا الأدبي ومازالت تمتطي دراجة هوائية لممارسة الرياضة.

كانت دانا تقود دراجتها في شارع يلتف على شكل دائرة حول مجموعة من الأبنية والبيوت، وكنّا نحن مجموعة فتيان يافعين نخزي العين بقيادة صبي من نازحي الجولان يدعى زياد واسم والدته سوريا وكنا نناديه: زياد ابن سوريا. كانت هذه المجموعة تترصد لدانا دائمًا، ولدى مرورها من على ظهر دراجتها نمطرها بما تيسر من الحجارة وقطع الخشب وحبات كوسا وباذنجان وبندورة متعفنة، يكون صاحب دكان ما قد ألقى بها في كرتونة بجانب دكانه وأعدنا نحن تدويرها قبل أن تجد طريقها النهائي للقمامة.

في وسط هذه البنايات، كانت هناك ساحة خلاء مازالت خالية من البناء، وتوصل بين طرفي الشارع الدائري على شكل وتر، الشارع ذاته الذي اعتادت دانا ممارسة رياضتها فيه. كنا نحن من جانبنا نلاقي دانا من طرف الساحة المطل على الشارع ونرمي عليها رشقات من تقاليدنا الاجتماعية ثم نركض بأقصى ما أوتينا من سرعة للطرف المقابل من الساحة على اعتبار أن دانا ستمر من هناك، وكنا نعيد الكرّة ونرمي عليها من مخزوننا الذي لا ينفد من هذه التقاليد.

لله ثم للتاريخ، لم نكن بغاية اللؤم، ولطالما توجهت مدافعنا باتجاه قدمي دانا وإطاري دراجتها بعيدًا عن الجزء العلوي من جسدها، وكانت العديد من قذائفنا تصيب أهدافها، لكن دانا لم تكن تنظر إلينا أبدًا وتواصل طريقها على دراجتها.

بعد فترة اختفت دانا وسمعنا أنها سافرت إلى الولايات المتحدة.

*لم يكترث أحد في الحارة تلك الأيام بتفكك يوغسلافيا واختفائها من الخرائط، وبقيت السيدة الأجنبية يوغسلافية في نظرنا رغم أنها قد تكون كرواتية أو بوسنية مثلًا، هذا إن كانت يوغسلافية من أساسه.

تابعنا على تويتر


Top