رسالة إلى الشعب الإيراني ” بمناسبة انتخاباته البرلمانية”

حذام زهور عدي

مع مرور الأيام تزداد أوضاع المنطقة تدهورًا وتعقيدًا، وتسهم سياسة نظام ملالي إيران بشكل رئيسي في ذلك التعقيد من خلال إصرارها على الغرور والغطرسة، التي تغطي بهما ما يعانيه الشعب الإيراني من فساد وفقر وتخلّف، معتمدة طريق الكذب والخداع وتجييش الناس تحت شعار “آل البيت” مرة وتحت شعار إعادة الإمبراطورية الساسانية والأوهام القومية العنصرية تارة أخرى.

ولا شك أن إيران تملك قدرة غير عادية على تبديل الشعارات، وممارسة البروباغندا الإعلامية بامتياز، فمنذ دخول جيش الجزيرة إلى البحرين لوضع حدٍ لطموحاتها الشوفينية، وهي ترسم الخطط لتمديد نفوذها، سواء في محيط الجزيرة العربية أو في العراق وبلاد الشام، بل تقفز إلى مصر وتونس والجزائر والمغرب، وإلى دول جنوب الصحراء. وبما أن الملالي يعلمون تمام العلم أن الأمن القومي العربي وأمن المملكة العربية السعودية لن يسمح بهذا الامتداد، فقد تحولت المملكة راعية الأمن العربي بعد مآسي دول المشرق العربي، إلى العدو رقم 1 لأولئك الملالي، فاستبدلوا المملكة بشعار الشيطان الأكبر الأمريكي، وعقدوا الاتفاقيات مع الدول الكبرى (أمريكا وروسيا)، وأدخلوا أذرعهم الإرهابية ليضمنوا نجاح مخططاتهم، لكنَ الأمور لا تسير تمامًا وفق أوهام الملالي وحساباتهم مهما دققوها ومهما فعلوا، فحَشْرُ تركيا والسعودية في الزاوية لن ينتج عنه سوى تفجير المنطقة الذي لن ينجو أحد منه، بل ربما ستكون إيران من أوائل ضحاياه، وممن ستصيبها شظاياه، ولربما للمرة الأولى يصدق جواد ظريف في تصريحه عن الخطر الذي يواجه إقليم الشرق الأوسط كله، ويدعو إلى تسويةٍ في سوريا، بالرغم من أفعال الملالي التي تناقض –كالعادة- التصريحات الإعلامية، وبالرغم من القاعدة العسكرية الضخمة التي أوجدوها على حدود المملكة بمساعدة أتباعهم العراقيين، والتي لا توحي بأي ثقة بهم. فهل شعر الملالي بخيانة الحلفاء لهم وأرادوا أن يضمنوا حصتهم من سوريا والمنطقة قبل أن يخرجوا بيدين فارغتين؟

إن التصريحات التي تعبر عن ألم مكتوم توحي بذلك، فاعتراض بعض الأصوات الإيرانية، من الدرجة السلطوية الثانية أو الثالثة، أصبحت مسموعة، على المقتلة التي تصيب القيادات الإيرانية الكبيرة من الحرس الثوري في سوريا، وتحميل روسيا مسؤولية قصفهم أو اغتيالهم. ومن جهة أخرى يبدي حسين شيخ الإسلام، مستشار لارينجاني ورئيس البرلمان الإيراني، الذعر من “رسالة الصمت” الروسية تجاه دخول قوات السعودية وتركيا الأراضي السورية، ثم يكشف بعنجهية الملالي أن إيران هي التي أدخلت روسيا إلى سوريا وأنه لولاها لما حصلت روسيا على ذلك الموقف الاستراتيجي، ويتابع بلهجة آمرة تدل على توتر ونفاد صبر، “على روسيا أن تعمل بالتنسيق الكامل مع إيران في سوريا وأن تهتم بالجوانب كلها، لأن الاتفاق الأحادي مع أمريكا لا شك ليس لصالح هذا البلد”.

من أجل هذا تُغرق إيران سوق النفط بينما تعقد السعودية وروسيا وقطر وفنزويلا بالدوحة اجتماعًا لتجميد الإنتاج من أجل إعادة سعر النفط إلى أربعين دولارًا، وبالتأكيد ليس من المصلحة الإيرانية في شيء أن تكون منفردة في سياستها النفطية وبعيدة عن تلك المجموعة، وفي الوقت نفسه فإن ملالي إيران يعرفون جيدًا أن أمريكا تنتظر التغيير الإيراني من خلال الانتخابات المقبلة والتي هي على الأبواب، وأنها تتعامل معهم بسياسة الاحتواء ريثما ترى نتائج تلك الانتخابات.

لقد اقترب موعد تلك الانتخابات، ففي 26 من شباط الجاري سيتوجه الشعب الإيراني إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء البرلمان ومجلس الخبراء، ومع أن ديموقراطيتهم ممسوكة بشدة من الولي الفقيه، صاحب الأمر والنهي، وأن لمجلس صيانة الدستور حق شطب من يريد من المرشحين ومنعهم من الترشيح، وأن المرشح يمر بمصافٍ متعددة قبل السماح للشعب بالتصويت له، إلا أن الخلاف اليوم بين موالي الخامنئي المريض، الذي مازال يلفظ أنفاسه كما يُقال، وبين رفسنجاني وروحاني من جهة أخرى، قد يسمح للشعب الإيراني وقيادة معارضته بلعب دور مؤثر في مجريات الأمور، أو كشف التزوير الذي تُلحقه أجهزة الملالي فيها واستعادة روح الثورة الخضراء من جديد. وعلى المعارضة الإيرانية أن تفضح في برامجها الانتخابية دجل سياسة الملالي وفسادها الداخلي والخارجي وأوهامهم التوسعية التي تسبب الكوارث للشعوب التي عاشوا معها مرحلة زمنية غير قليلة، وتفاعلوا وبنوا معًا حضارة ماتزال أشعتها تُدفئ العالم كله.

إن الأموال الهائلة التي صرفها الملالي على تلك السياسة كان باستطاعتها بناء دولة يرتع شعبها بالحبور والتقدم والحداثة، فالفوضى وعدم الاستقرار الذي تفخر به سياسة الملالي وتعتقد أنه انتصار لها، عاد على الشعب الإيراني بالويل والثبور، وكان غطاءً ناجحًا فقط للفساد والعنف وضحايا المعتقلات وتشريد النخب الإيرانية في الشوارع كمتسولين أو في المنافي، وأعتقد أن عقلاء إيران يدركون تمامًا أن صلاح أمر الإيرانيين -كما أخوتهم بالإقليم ذاته- يكمن أولًا بالابتعاد عن تحالفات الدول الكبرى التي تأخذ منهم مصالحها دون أن تعطيهم إلا الفتات، وسرعان ما تتخلى عنهم لتعقد تحالفات أخرى لن تحقق مصالحهم، وأن تحقيق التنمية والعدالة الإنسانية والتقدم لشعبها يرتبط بالتعاون مع شعوب الإقليم كله تعاونًا نديًا، لا محاولة الهيمنة ونشر مذهب أو دين تجاوز الزمن تأثير مآسيه أو نجاحاته التي تدفع الشعوب للاقتتال وتبذير ثرواتها على الحروب العبثية، وأظن أن أولئك العقلاء يُدركون تمامًا أنه من المحال أن تسمح شعوب المنطقة للملالي بالهيمنة على الجزيرة العربية أو الخليج أو بلاد الشام أو استمرار مكانة اليد العليا في العراق مهما طال الزمن. لكن أحدًا لا يدعو إلى الهيمنة على إيران أو تجاهل مصالح شعبها، كما الشعوب الأخرى في الإقليم نفسه، بل ما ندعو  إليه هو التعاون مع الجميع لصالح الجميع.

لقد آن للشعب الإيراني أن يقول كلمته وأن يتخلص من حكمٍ ثيوقراطي، استبدادي يقوم على تأويل مزيف للدين، يعتقد أصحابه أنهم معصومون وأن على الرعية الطاعة فقط. لم يعد لمثل هذا النظام وجود على الكرة الأرضية، فالشعب الإيراني بعمق حضارته يستحق الأفضل، يستحق الحرية والكرامة والاستقرار والتنمية والتقدم والانتقال إلى العصر الحديث مع شعوب المنطقة كلها.

تابعنا على تويتر


Top