لا مكان لكم في مكانكم

محمد رشدي شربجي
في تعليق له على قناة الجزيرة يقول معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أنه لا باع له في السياسة ولا تهمه السياسة أصلًا وإنما ما يهمه إيقاف نزيف الدم والمعاناة التي يتعرض لها الشعب السوري.

وبهذا يقتحم الخطيب موسوعة غينيتس بكونه السوري الأول في التاريخ الـذي يقر بعجزه في السياسة خلافًا لأربع وعشرين مليون سوري آخرين يدعون الاحتراف في السياسة ولا يتعاطون إلا بالسلاح.

المبادرة جيدة في مضمونها وتوقيتها لكنها سيئة في طريقة طرحها، فهي جيدة من كونها حركت ماء الثورة الراكد منذ شهور وسيئة من كونها خرجت بمبادرة فردية من رئيس الائتلاف بعيدًا عن المؤسساتية مما أعطى صورة مشوهة عن المعارضة المشوهة أصلًا.

ولكن بعيدًا عن ذلك كله فإن في المبادرة ما يبنى عليه، فلأول مرة منذ بداية الثورة ربما تستطيع مبادرة يطرحها سياسي من طرف المعارضة أن تخترق صفوف الثوار إلى هذا الحد لا سيما الجيش الحر منهم، ونكاد نجزم أن المبادرة ذاتها لو طرحها غير شخص الخطيب لانهال عليه التخوين والشتائم والتشبيح الثوري من كل حدب وصوب.

الثورة السورية عانت وتعاني من غياب القادة والرموز المؤثرين حتى على مستوى القرى والنواحي، وقد كان هذا من محاسن الثورة في بدايتها حيث استحالت محاصرة الثورة والقضاء عليها من خلال اغتيال رموزها، ولكن ما كان ميزة للثورة غدا عبأ عليها الآن.

فمعلوم أن الحراك المسلح على الأرض لا يستطيع أن يثمر ما لم يكن له وجه سياسي يفاوض باسمه وبالنيابة عنه وقادر على توجيهه وتمثيله سياسيًا في المحافل الدولية. كحالة أبو عمار مع فتح أو خالد مشعل مع حماس والأمثلة كثيرة.

ولكن هذا متعذر إلى الآن في الحالة السورية، فتجمعاتنا السياسية سواء المجلس أو الائتلاف أو أي «ممثل شرعي ووحيد آخر» تخاف أن تمثل الشارع أو أن تصارحه لكي لا تذهب شرعيته في مهب الريح، فتراها تنحو في مخاطبة الشارع منحى «ما يطلبه الجمهور» وليس «ما يجب أن يسمعه الجمهور» والأمثلة كثيرة على ذلك وأبرزها قضية طلب التدخل العسكري والحظر الجوي والمنطقة العازلة وغيره من القضايا التي لم يكن لدى سياسيينا الجرأة والشجاعة الكافية لمصارحة جماهيرهم باستحالة تحققها لأن الشارع الجريح سيرفضهم وسيتعرضون لابتزاز زملائهم من المعارضة السورية وهو ما كرس حالة الفوضى والزعامات الفردية والأجندات اللاوطنية.

ربما يشكل معاذ الخطيب الاستثناء الوحيد إلى الآن الذي طرح مبادرة تجاوز فيها الخطوط «الثورية» الحمراء وتجاوبت معها الجماهير الثورية إلى هذا الحد، وفي هذا دلالتين هامتين:

الأولى: تعب الناس والإرهاق الشديد الذي طالهم و «شبه» قناعة باستحالة الحسم العسكري لأي طرف كان.

الثانية: مدى شعبية الشيخ معاذ الخطيب في أوساط الثوار بما له من شخصية كاريزمية ونمط تدين قريب من نمط التدين العام في سوريا.

كل هذا يجعلنا نعتقد جازمين أن أفضل ما يمكن أن يفعله الخطيب هو العودة للداخل السوري ليساهم بشكل فاعل ومؤثر في قيادة وتوجيه الثورة السورية وفقًا للأجندة والروح الوطنية التي يمتلكها وبما له من شعبية لم تكن لغيره خلال الثورة.

عودة الخطيب (مع أعضاء الائتلاف) إلى الداخل السوري سيكون له أثر حاسم في تغليب المشروع الوطني وتقوية مكانة الائتلاف في قيادة الثورة السورية التي يعوزها قائد يوجهها ويفاوض باسمها ليحقق مكتسباتها لعله يحقن بذلك ما تبقى من دماء السوريين.

لا مكان لكم في مكانكم يا شيخنا فأنت قلت أن لا باع لك في السياسة وأيدتك جموع الثوار في الداخل فيما لم تؤيد به غيرك، فعودوا إلى الداخل وسدوا الفرج أثابنا وأثابكم الله.

تابعنا على تويتر


Top