المثقف السوري…. لا تقطعوا رؤوسنا!!

173.jpg

جريدة عنب بلدي – العدد 53 – الأحد – 24-2-2013

 17

لا يمكن لمتابع للشأن اللبناني أن لا يلاحظ الملاحظتين التاليتين أينما ذهب وأينما حل.

أولاهما: أنه لفهم السلوكيات بين اللبنانيين لا يهم منطوق القول بقدر ما يهم كيفية هذا القول وفي أي سياق قيل هذا القول، فجميع القادة في لبنان، وما أكثرهم، يؤكدون على الوحدة الوطنية وضرورة الحوار كوسيلة وحيدة لإدارة الخلاف السياسي، في حين يعلم الجميع بمن فيهم السامع والمتكلم أن هذا كلام للاستهلاك الصحفي لا أكثر، لا بل ويراد منه العكس تمامًا أحيانًا.

الملاحظة الثانية: أن الطائفية في لبنان لم تكن لتنال هذا الرسوخ المجتمعي والتغلغل في لا وعي اللبنانيين لولا أن استحالت نصًا نظريًا دستوريًا نافذًا في الدولة، وهذا بالتأكيد سبقته، بل ومهدت له، حرب أهلية ضروس أفرزت «أمراء» طوائف انتهت بتطييف السياسة وتسييس الطوائف وتطييف النخب السياسية والفكرية والمجتمعية، وهو ما أفقد التحالفات الفكرية والسياسية غرابتها لصالح تفسير التحالفات القائمة الآن على مصالح طائفية، كتحالف ميشيل عون مع، عدوه السابق، النظام السوري، في مقابل تحالف سمير جعجع مع سعد الحريري مع الشيخ الأسير!!

لا يبدو الأمر في سوريا كما هو في لبنان، ولكن بالأخذ بالحسبان أن لبنان لم يكن بشكله الحالي إلا بعد عقد ونصف من الحروب، فإننا نجد فيما يجري في سوريا بدايات «لبننة» واضحة قد تظهر نتائجها إذا استمرت الحال على ما هي عليه لسنوات، لا سمح الله.

إذ راجت في الفترة الأخيرة المؤتمرات الفئوية المخصوصة لطائفة من الشعب السوري دون غيره، كلقاء القوى المسيحية «سوريون مسيحيون من أجل العدالة والحرية» في إنطاكيا التركية منتصف الشهر الجاري، أو الأنباء حول مؤتمرات مماثلة للمعارضين العلويين والدروز، كلًا على حدا.

التصريحات حول المؤتمرات من قبل منظميها قليلة، وفي مجملها لا تخرج عن الدعوة للوحدة الوطنية والتأكيد على مشاركة الأقليات وغير ذلك من الكلام العام. ولكن سياق المؤتمر وعنوانه لا يوحي إلا بمزيد  من لبننة محزنة  للنخب الثقافية في سوريا. وحين تتم لبننة النخب الفكرية، ويتحلل المثقف لعناصره الأولية الطائفية فإن ذلك يعد بداية للبننة السياسة ولبننة التحالفات السياسية، وهو ما يعني أن  هذه التحالفات السياسية يصبح هدفها حماية الطوائف لنفسها، إما بالتحالف ضد الآخر، وهو دائمًا جميع الطوائف الأخرى، أو بمغازلته اتقاء لشره وما هو ما « قد» يفسر تصريحات بعض المثقفين المشاركين والراعين لأحد هذه المؤتمرات حول جبهة النصرة واحتضانها له وترحيبها به.

ليس بالضرورة أن تؤدي اللبننة في سوريا إلى ما أدت له في لبنان، فالبلدان وإن حملا تكوينًا ديمغرافيًا متشابهًا، فإنه يبقى لكل بلد ظروف تشكله التاريخية والاجتماعية والثقافية، ولكل حرب ظروفها كذلك، ولكن بالضرورة لن تؤدي اللبننة في سوريا لنظام أكثر عدالة وتمثيلية.

لا يمكن الخروج من هذا المأزق إلا بتخلي النخب عن مخاوفها وتغليب المشروع الوطني الجامع على ما سواه من مشاريع، وهو أمر صعب بالتأكيد ولكن احتمال تحقيقه يزداد مع صعود نجم الشيخ معاذ الخطيب كـ «قائد ثوري وسياسي محتمل»!!

اختلفت الروايات في تحديد هوية قاطع رأس أبي العلاء المعري في مدنية حلب فمنهم من اتهم الإسلاميين المتشددين، ومنهم من اتهم النظام من خلال قصفه العشوائي، وامتعض البعض من قطع رأس المعري وهم الذين صمتوا دهرًا عن قطع رؤوس آلاف السوريين، حتى اضطر الأمر بالمجلس العسكري للمدينة أن يخرج ببيان ليوضح حقيقة ما حدث. بالنسبة لنا فإن رأس أبي العلاء يقطع حين يتخلى المثقف عن رأسه.

إلى مثقفينا ومفكرينا الأكارم… رؤوسنا أمانة في رؤوسكم فلا تقطعوها!!

تابعنا على تويتر


Top