هذا ما وجدنا عليه آباءنا

جريدة عنب بلدي – العدد 53 – الأحد – 24-2-2013

imagesبشير – حماه

لا تزال الأصوات تتعالى بين مؤيد ومعارض لمبادرة الشيخ الخطيب الذي أعلن فيها عن قبوله المشروط للتحاور مع النظام أو بعض من رموزه.. طبعًا لن أناقش هنا جدوى المبادرة من عدمه، أو مشروعيتها من تعديها على الحقوق والدماء، أو ربما خيانتها لنا من إيفائها لعهودنا.. لا، فالكل يناقش ويتحدث هنا، لنبتعد عن ذلك قليلًا ولنذهب إلى التفكير ومشاكلنا الكثيرة معه.

أظهرت تلك المبادرة شرخًا تفكيريًا كبيرًا بدا واضحًا عند السواد الأعظم من الناس، ألا وهو التفكير «الآبائي» وعدم القدرة على تجاوزه في الكثير من الأحيان إلى تفكير «مستحدث» يتماشى مع الواقع، حتى لو كان هذا التجاوز ربما يقود إلى نجاة في النهاية.. أقول ربّما!

إذا تأملنا في أشد الاعتراضات التي صدرت عن القوم الأوّلين، حين جاءتهم الكتب السماويّة لتبعث فيهم روح الحياه التي طالما فُقدت في صفحات أيامهم، نجدها تنحصر في القول: هذا ما وجدنا عليه آباءنا.. أو هذا ما ألفينا عليه آباءنا.

يقول تعالى {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون} (البقرة:170).

ويقول في موضع آخر {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} (المائدة:104).

{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} (لقمان:21).

نلاحظ من خلال الآيات كيف يتجلّى بشكل واضح الرفضُ الكبير لأي محاولةِ قفزٍ على التفكير التراثي الآبائي، على الرغم من فساده وطفوليّته، وعشق كبير للعيش عالةً على الآباء والأقدمين في التفكير عيش المعاقين الذين لا غنى لهم عمن فكّر عنهم وخطط لهم، فالخروج من الموروث والأعراف كان أصعب من الاقتناع في حد ذاته.

لقد سلّط القرآن الضوءَ على تلك المصيبة الكبيرة التي وقع بها الأولون، وبل وأبرزها على رأس المصائب التي حالت بينهم وبين هدايتهم، هذه العبودية لفكر الآباء – الآباء التي تمثّل رمز كل ماهو قديم ومألوف سواء كان بعيدًا أم قريبًا- وعدم الخروج عن المألوف والسائد، من حيث التفكير على الأقل، كانت بمثابة الحجر الكبير الذي يقف في طرق تحررهم الفكري، وبالتالي نجاتهم في الحياه الدنيا والآخرة.

وبشكل مشابه وفي السياق ذاته، نجد أنّ النظام البائد كبّلنا بالكثير من الأفكار التي حبست عقولنا في زنازين الرضوخ.. الرضوخ الذي يبقينا في دائرة الأمان، الدائرة التي تُبقينا دائمًا تحت قواعد التفكير التي صاغها لنا بلسانه، الدائرة التي أوهمنا المستبد أننا بخروجنا منها سنسقط في الهاوية، فتكون تصرفاتنا وفقًا لما يريد وعلى مقاسه.

فتجد الكثير من الناس بمجرد أن تعرض عليه فكرة جديدة يُدخِلك فورًا في دوّامة عدم جدواها، وبأنها ستجرّك للمزيد من المتاعب، وتُبنى عليها – وهي لم تُنفّذ بعدُ- الأوهامُ وتشيّد فوقها المصائب – خيانة دماء الشهداء تحضر بقوّة هنا- وتصبح هذه الفكرة هي التي ستعلن نهاية مسيرتك. بدت واضحة على تفكيرنا هذه التبعيّة العمياء للسائد من الأفكار وعدم القبول بمجرّد التفكير بالجديد، فما زالت العزّة تأخذ الكثيرين تجاه ماضيهم القريب وكذلك البعيد.

إن الأنسان حين يقتصر في دراسته على مذهب معين، يتولد عنده تصور محدود، فإذا اطلع على مذهب آخر فإنه يكتسب بذلك رؤية أرحب تخلق لديه إمكانات جديدة لتفسيرات جديدة. فالإبداع الذي ننتظر لن يكمل ولن يأتي إلا بالمزيد والمزيد من التفكير الجريء والبعيد عن الأفكار السائدة السيئة.

المبادرة يجب أن توقظ فينا التفكير الحرّ مجدّدًا، الخروج من دائرة الأمان أو التفكير بذلك على الأقل، التفكير بمدى جدواه.. مادامت الحلول الأخرى أيضًا تحتمل الإمكانية في النجاح والفشل، كما المبادرة تمامًا، وكما كل شيء يسير وفق مايخبّؤه القدر.

تابعنا على تويتر


Top