ماذا تريد المرأة السورية من سوريا المحررة؟

حذام زهور عدي

لم يعد خافيًا ما نال المرأة السورية، من تعذيب واختطاف واغتصاب وقتل وتشريد وحصار وآلام يُتم وترمّل، ومسؤولية عائلة لم تعد تملك من أمرها إلا الدعاء والبكاء. كل ذلك من أجل انخراطها الواعي أو العفوي بالثورة السورية، ويكفي أن نعيد ما وثقته المنظمات الدولية من أرقام (بالتأكيد هي أرقام نسبية) لمعرفة حجم تضحيات المرأة السورية.

فالأطباء العاملون في المناطق المحررة أو في منطقة اللجوء بغازي عنتاب وجدوا، وفق عدد المريضات اللواتي يراجعنهم، أن بين كل أربع نساء واحدة مصابة بالعصاب، الذي قد يتحول ضمن نظام الرعاية الطبية شبه المفقودة، إلى ذهان، يحتاج إلى مصحات خاصة. كما تقدر المنظمات الدولية استشهاد 20 ألف امرأة عدا عن آلاف المعتقلات والمخطوفات. وقد كُتبت مقالات عديدة تحت تلك العناوين، وأُجريت أبحاث، بعضها مازال مستمرًا، حول وضعها في المدن والأرياف المحررة والمحاصرة وفي المخيمات والمهاجر، كما نُشرت أبحاث حول وضعها بالمجتمعات المسلمة وغير المسلمة التي تسيطر عليها داعش، والمجتمع الوحيد الذي لم تُجر دراسات موضوعية حول المرأة فيه هو المجتمع الموالي للنظام الأسدي، بالرغم من مساهمة نسائه كفتيات أو سيدات بلجان “الدفاع الوطني”، واستغلالهن كقناصات ومقاتلات وحارسات وعاملات في الأجهزة الأمنية، ووسيلة إعلامية مهمة أمام الرأي العام الغربي لتقديمهن كمؤشر، من خلال نوع اللباس، على علمانية النظام وتقدمه الحضاري. ومع الأسف فقد نال المرأة السورية ظلم إعلامي كبير، ففي الوقت الذي يبرز فيه الإعلام العالمي صورة الفتيات الحضارية في عين العرب(كوباني)، ويفعل ما يشابه ذلك مع شبيحات الأسد، يتجاهل الصور غير المتناهية لنضال المرأة السورية الأخرى التي تدافع عن أسرتها وشرفها وتطالب بالحرية والكرامة، أو عما أصاب النساء السوريات في المعتقلات وبلاد اللجوء من أهوال.

ليس الهدف من مقالي هذا إعادة ما قيل سابقًا، إنما أريد أن ألفت النظر لمسألتين:

أولاهما: أن نظام الاستبداد البربري ساوى بين الرجل والمرأة في عنفه ووحشيته، ولذا فإذا كانت قضايا المرأة عامة لا تُناقش إلا من خلال وضع اجتماعي عام يشترك فيه المرأة والرجل، إلا أن قضايا المرأة السورية في الثورة وما بعدها لا تناقش إلا من خلال أهداف الثورة في الحرية والكرامة وبناء المجتمع الديموقراطي الذي يُحقق العدالة والمواطنة لأفراده جميعًا.

وثانيهما: أن ذلك لا يعني نفي وجود قضايا خاصة بالمرأة ، فثقل التاريخ البشري عامة والإسلامي وغير الإسلامي في المجتمعات العربية خاصة، يترك كثيرًا من الخصوصية لوضع المرأة فيها، والتي تجعل من مهمة إيجاد مواد دستورية تحقق لها العدالة الإنسانية مهمة آنية في سوريا المحررة، حتى لا تنطبق علينا الظاهرة التي لمسناها في الثورات العالمية والإقليمية باستنفار المرأة لتقديم المشاركة الفعالة في أثناء الثورة ثم إعادتها إلى ما كانت عليه قبلًا بعد انتصار الثورة، دون أن تحقق أي مكسب مما قدمته، فلولا نضال المرأة العنيد في تونس، وتجاوب النخبة المثقفة معها، لأوشك النظام التونسي الجديد أن يُخلص المرأة التونسية من المكتسبات التي حققتها من خلال أنظمة ما قبل الثورة. وحتى الخميني الذي أفتى قبل استلامه السلطة بخروج النساء في المظاهرات كتكليف شرعي وبدون إذن زوجها إن اقتضى الأمر، عاد وأصدر فور استلامه السلطة قوانين إلغاء مهنة القضاء للمرأة والترشح للانتخابات وإلزامها اللباس الشرعي وعدم جواز خروجها من المنزل بدون إذن زوجها ومنع الاختلاط بالعمل والتعليم، ووضع اللجان الشعبية لتتبعها في الشوارع وأماكن العمل وأعاد عقوبة الرجم، ومنع ترشحها لرئاسة البلاد، ولولا النضال المستميت للمرأة الإيرانية في مرحلة الإصلاحيين لما أعادت بعضًا من تلك الحقوق .

ما الذي تريده المرأة السورية اليوم من نظام سوريا الحرة؟

بدءًا، على قوى المجتمع المدني جميعها، وبدعم من الدولة، أن تعمل على مساعدة النساء اللواتي تعرضن لأبشع أنواع العنف والضغوط النفسية وتحاول جاهدة إعادتهن لحياة سوية يستطعن من خلالها ممارسة وظائفهن الطبيعية باسترخاء وتوازن نفسي.

وعلى الدولة أن تشكل مراكز أبحاث خاصة ترصد مشكلات المرأة وتضع الحلول المناسبة لإعادتها كعنصر فاعل في التنمية البشرية والتقدم الحضاري، وإلغاء كافة القوانين التي تتيح لأي نظام التحكم بالتنظيمات النسوية، وضمان الحرية للتشكيلات المدنية للمرأة التي تعمل في إطار تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية للمرأة السورية. من أجل ذلك أيضًا لابد من تحديد نوع من الحصة المفروضة للمرأة في المجالس التمثيلية ريثما يصل المجتمع إلى مستوى اختيار الأفضل دون الاهتمام بجنسه.

كذلك على رجال الدين إعادة دراسة الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالمرأة وانتقاء أفضل التوجهات التي تحقق التلاؤم بين معطيات العصر ووضع المرأة المسلمة فيه، والعمل بنشاط في هذا الإطار لتكوين حامل اجتماعي يساهم في تحقيق تلك الأهداف.

وعلى وسائل الإعلام إنصافها وإظهار الأعمال الجبارة التي قامت بها في مجال الإغاثة والأعمال المدنية، وإبراز الوجه البطولي للمرأة الديموقراطية، كالمخرجة وئام بدرخان، التي بقيت محاصرة مع المقاتلين في حي الخالدية بحمص تنقل معاناتهم اليومية، التي قدمها بعد ذلك المخرج أسامة محمد في فيلم “ماء الفضة”، أو رزان زيتونة أو سميرة الخليل والفنانات الرائعات اللواتي آثرن الاصطفاف مع شعبهن، وغيرهن الكثيرات.

أما في الدستور المقترح، فلا يكفي الإقرار بالمساواة الإنسانية والدستورية بين الرجل والمرأة، وإنما يجب ترجمة ذلك بتفصيل واضح في القوانين الجنائية وقوانين المحاكم الشرعية التي تتحمل الوزر الأكبر في التمييز القانوني والاجتماعي بين الجنسين. وما كان يزيد ذلك الظلم، عقلية القضاة الشرعيين التي تقبع خلف تلك الأحكام وتحتج بها لتزيد ذلك الظلم وتمعن فيه. إن التفصيل في مواد تلك القوانين موضوع كبير ليس مجاله مقال محدود، إنما ألفت النظر إلى الدراسات التي قدمتها محاميات سوريات متميزات سابقًا في هذا المجال، كما ساهمت بدراسة نواحي التمييز فيه قاضيات عرفن بالاعتدال والموضوعية، كالقاضية المتميزة سلوى كضيب. وهناك باحثات في قضايا المرأة السورية قدمن ما هو مهم وجدير بالحوار، كأبحاث الدكتورة مية الرحبي، ولاشك أن العمل من أجل قانون مدني موحد إلزامي يحقق المساواة بالمواطنة مطلوب وفائق الأهمية، لأنه يؤثر في توحيد المجتمع وتماسكه والتدرب على الممارسة الديموقراطية لأفراده.

تستطيع المرأة السورية وبجدارة مشهود لها فيها أن تساهم في بناء سوريا الديموقراطية المتعددة والموحدة، وهي لا تحتاج لأصواتٍ غربية أو شرقية تزاود باسمها على مجتمعها ودولتها، إنها تحتاج فقط لتحقيق أهداف الثورة السورية العظيمة في الحرية والكرامة الإنسانية.

تابعنا على تويتر


Top