الهدنة تلقي بظلالها على شطري حلب رغم الخروقات

12.jpg

 ليان الحلبي – عنب بلدي

فرق واضحٌ لمسه أهالي مدينة حلب، مع مرور أسبوعين على بدء اتفاق وقف الأعمال القتالية في سوريا، بعد أربع سنوات من القصف، لمدينة تعد العاصمة الاقتصادية وثاني أكبر المدن السورية.

المدينة التي تنقسم إلى شطرين بحسب الجهة المسيطرة عليها، عانت على مر السنوات الماضية، وكان كلّ شطرٍ يتطلع إلى يومٍ يلتقط السكان فيه أنفاسهم، فكيف انعكست الهدنة على حياتهم اليومية؟

مناطق سيطرة النظام: حياتنا إلى الأفضل

كان الهاجس الأكبر لسكان مناطق سيطرة النظام في المدينة تساقط القذائف العشوائية باستمرار، والتي حصدت الكثير من الأرواح، إضافة إلى سماع أصوات القصف المستمر من المدفعيات وراجمات الصواريخ، وكذلك الطيران الحربي، باتجاه مناطق سيطرة الجيش الحر والريف القريب.

وتفاوتت آراء السكان فيها بين من رأى في الهدنة تغيّرًا واضحًا، انعكست آثاره على الحياة اليومية، خاصة من يسكن في مناطق التماس والاشتباكات، وبين من اعتبرها أضفت قليلًا من الهدوء والسكينة فحسب، دون أن تؤثر على طبيعة الحياة.

وقال محمد، وهو مدرسٌ من ساكني شارع تشرين القريب من ثكنة المهلب، إن السكان شعروا بفرق كبير، وعادت أصوات لعب الأطفال وضجيجهم تملأ الشوارع من جديد، وأضاف “كنا في رعب يومي بسبب القذائف والصواريخ، كوننا في منطقة تماس، ولم يكن سهلًا أن ينقطع كل ذلك فجأة، وأن تتوقف راجمة الصواريخ عن القصف والاهتزاز وكأنها مرجل يغلي، لكن ذلك توقف خلال الأيام القليلة الماضية… اعتدنا على الهدوء وصرنا نخاف أن نفقده”.

في حي “حلب الجديدة” كانت الصورة مفعمةً بالأمل، بأن تكون هذه بداية النهاية، وقال الطبيب وائل، الذي يسكن فيه، “لم نكن على ثقة فجميع الهدن السابقة كانت فاشلة وغير ملتزم بها، لكن بعد مرور يومين، أحسسنا أن هناك أمرًا جللًا، هدوء يخيم إلى درجة السكينة والأطفال يلعبون بعد العودة من مدارسهم”.

فئة أخرى من سكان هذه المناطق استنكرت السؤال عن الهدنة، وتتساءل ميساء، المهندسة الأربعينية التي تقطن حي المحافظة، “عن أي هدنة يتكلمون؟”، وتابعت “إننا نعلم جميعًا أنها لا تعدو مجرد مسرحية مثلها مثل سابقاتها، نحن لا نعلّق أي آمال على أي حل، لقد فقدنا الثقة بكل شيء”.

بينما يرى آخرون أن الحياة مستمرة على طبيعتها من قبل الهدنة ولم يحصل اختلاف كبير، سوى تراجع القذائف وأصوات القصف، مشيرين إلى أصوات الطيران التي تسمع إلى اليوم تحلق بعيدًا، وإلى خروقات في الأسبوع الثاني بقصف استهدف الأحياء الخارجة عن سيطرة النظام.

النازحون يعودون إلى مناطق المعارضة

الوضع هنا مختلف، فسكان مناطق المعارضة تعرضوا بشكل شبه يومي للقصف بالطيران الحربي والصواريخ والمدافع، ما تسبب بدمار كبير في الأحياء، ونزوح أعداد كبيرة من سكانها.

الغالبية تقريبًا أجمعوا على تغيير كبير رافق الهدنة، خاصة في فترتها الأولى، مع تراجع قصف الطيران الحربي، الهاجس الأكبر والأهم لسكان هذه الأحياء. ولعل أهم مظاهر التغيير عودة بعض العائلات النازحة إلى بيوتها، كحال “أبو أحمد الشمالي” الذي عاد مع عائلته إلى منزلهم في حي الصاخور، منذ اليوم الأول للهدنة، ليتفاجأ بعودة عشر عائلات إلى بيوتها أيضًا، في الشارع ذاته.

ووصف أبو أحمد سعادته بتوقف القصف الجوي على المناطق المدنيّة، متمنيًا من المجمتع الدولي أن ينجح بالضغط على النظام والروس لوقف أعمالهم العدائية ضد المدنيين بشكل نهائي، أو أن يكون هناك حظر جوي دائم، ينهي أزمة اللاجئين والنازحين، وأضاف “إن حصل حظر جوي فإن معظم النازحين سيعودون إلى بيوتهم مهما كان الوضع، فمن يخرج من داره يقل مقداره”.

وحول أوضاع جيرانه في الحي، أوضح “إنهم الآن مرتاحون وقد عادت المياه والكهرباء أيضًا إلى المدينة، والخبز متوفر بشكل جيد، ما يجعل الحياة أفضل بكثير من مخيمات النزوح أو دول الجوار”.

أما علا كرمان، من حي الإذاعة، فلم تجد تغيرًا كبيرًا خلال فترة الهدنة، وأردفت “صحيح أن قصف الطيران تراجع، لكن القصف المدفعي مايزال مستمرًا، فمثلاً، مايزال حي سيف الدولة القريب من الجبهة يتعرض للقصف المدفعي، كما تستمر عمليات القنص إلى الآن، وقد استشهد رجل عمره 40 عامًا في حي جب الجلبي (الثلاثاء 8 آذار) برصاصة قناص”.

عنب بلدي حاولت رصد تأثير الهدنة على طلاب المدارس في الأحياء الخارجة عن سيطرة النظام، وتواصلت مع منال دعبول، معلمة في مدرسة الشهيد عبد القادر شاشو، في حي صلاح الدين، وقالت “انتقلنا إلى الملاجىء منذ فترة طويلة قبل الهدنة ومانزال فيها، إلا أن الطريق إلى المدرسة أصبح آمنًا لتراجع القصف، وعاد الكثير من الطلاب بعد بدء الهدنة”.

الحراك المدني والثوري عاد إلى الواجهة من جديد بعيد الهدنة، واعتبر سامر ملا، عضو في المجلس المحلي لمدينة حلب، أن الهدنة كانت فرصة لإعادة روح الثورة إلى المدينة، وأضاف “عادت المظاهرات السلمية الحاشدة دون خوف من استهداف مكان التظاهر، عادت بوصلة الثورة باتجاه العدو الرئيسي (نظام الأسد) المسبب لكل ما حدث في سوريا، لقد كانت الهدنة متل استراحة مقاتل للمدنيين والناشطين، لإعادة ترتيب الأوراق والأولويات”.

رصد للخروقات

الهدنة لم تخل من بعض الخروقات منذ بدايتها، من قذائف قليلة ومتفرقة على بعض أحياء سيطرة الأسد، كان أشدها على حي الشيخ مقصود في السادس من آذار، موقعة ضحايا في صفوف المدنيين

قصف مدفعي متفرق، وآخر بالرشاشات الثقيلة والصواريخ، شهدته بعض أحياء المعارضة كالصاخور والشعار والهلك وغيرها.

الخرق الأكبر كان في اليومين الثالث عشر والرابع عشر للهدنة 10- 11 آذار، حين استهدف الطيران الحربي حيّي الميسر والطراب بالألغام البحرية والبراميل، الخميس، موقعًا ضحايا في صفوف المدنيين، في حين أغار الطيران الحربي على حيي المعادي والصالحين، الجمعة، موقعًا نحو عشرة مدنيين أيضًا.

تابعنا على تويتر


Top