"المحررة" ذات أمان نسبي.. والموالية تتحول إلى "شيكاغو"

الحالة الأمنية في حمص بين المعارضة والنظام 

IMG_0354.jpg

جودي عرش- حمص

أمان نسبي تشهده المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري في محافظة حمص، فيما لو قارناها بتلكالرازحةتحت إدارته، ففي المناطقالمحررةاستطاعت فصائل المعارضة ضبط الأمان والحد من الجرائم وعمليات السطو والاغتصاب إلى حد كبير، في حين فشل مسؤولو النظام بوضع حد للخروقات الأمنية التي نراها تتكرر حتى يومنا هذا.

يعتبر حي الوعر، المنطقة الأكثر أمنًا في مدينة حمص، بالمقارنة مع الفلتان الأمني الذي تعيشه الأحياء الموالية، كما يرى الناشط الإعلامي جلال التلاوي، والذي أوضح لعنب بلدي أن “المقاتلين كانوا قد حملوا السلاح من أجل الدفاع عن الأحياء وأهلها من بطش قوات الأسد وانتهاكاتهم اليومية، من خطف وقتل واغتصاب، واستطاعوا الحد منها”.

ويعتبر النسيج المدني في المناطق “المحررة” في محافظة حمص “متماسكًا جدًا”، ويتمتع بالضوابط الأمنية والشرعية والأخلاقية، حيث لم تشهد تلك المناطق جرائم قتل وسرقات حتى في ظل غياب الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، وتابع التلاوي “كان هدف الأهالي من الثورة هو تحرير المدن السورية من الفساد، وهذا الأمر لا يمكن أن ينبع من الفاسدين، ومنذ بداية الحراك الثوري لاحظنا تماسكًا كبيرًا في النسيج الشعبي، لا سيما بعد أن ذاق الشعب الظلم بكافة أشكاله”.

العام 2012، كان منطلقًا لتشكيل الهيئات القضائية والشرعية في سوريا، وهذا الأمر انطبق آنذاك على حمص وريفها، وأردف التلاوي “تعتبر الهيئات الشرعية، المرجع الوحيد لجميع الأهالي، في المناطق الخارجة عن سلطة النظام، كما أنها تعتبر المخول الوحيد للمحاسبة القضائية، في حال حدوث أي جريمة أو تجاوز أمني أو أخلاقي، والمسؤولية تتقاسمها أيضًا الجهات الثورية العاملة على ضبط الأمن في المناطق المحررة، استعدادًا لسوريا جديدة، بعيدة عن الظلم والمحسوبيات والفلتان الأمني”.

يبقى الأمان نسبيًا في المناطق “المحررة” في حمص، لكنه يعتبر مقبولًا بالنسبة للأهالي، وأضاف جلال التلاوي “تمكنت الهيئات الشرعية المدعومة بقوة عسكرية من الفصائل المقاتلة، من ضبط العديد من التجاوزات كالسرقة والاحتكار والاحتيال وغيرها، وتكون المحاسبة إما عن طريق السجن لفترة معينة، وتلقّي السجين بعض الدروس الشرعية والنفسية لتصحيح مساره، أو أحكام أخرى تصل إلى الإعدام في حال كانت الانتهاكات خطيرة”.

حمص الموالية تتحول إلى شيكاغو

جرائم القتل والسرقات تفشت بشكل كبير في مناطق سيطرة النظام، خصوصًا بعد انتشار السلاح في أيدي الفئات “الطائشة” من سكان الأحياء الموالية، والتي لا تخضع للسيطرة والمحاسبة، حسب وصف الناشط محمد الحمصي، عضو مركز حمص الإعلامي، وأفاد عنب بلدي أن السبب الرئيسي لذلك هو عدم سيطرة اللجنة الأمنية على حاملي السلاح، وتجاهلها تصرفاتهم، ورشوة المسؤولين، وأردف “رأينا هجومًا على صفحات التواصل الاجتماعي الموالية للنظام، اتهمت فيها اللجنة الأمنية بالفساد ودعم الجماعات المنحرفة، وطالبتهم بضبط الأمن وعدم حماية الجماعات المنحرفة التي وصفوها بأنها تبيع عوائلها بحفنات الليرات”.

لم يقتصر تمادي العصابات المتتشرة في الأحياء الموالية على جرائم القتل والسرقات فقط، بل انتشرت وبشكل كبير جرائم الخطف وأخذ الفديات المالية، وحوادث السير المتعمدة، وتابع “الموالون في حمص يدفعون ثمن مشاركتهم في القتال ضد الثورة وقمعها، ويحرقون أنفسهم من أجل رئيسهم الذي لا يبذل أي جهد في الحفاظ عليهم من ميليشياته”.

ويرصد ناشطو حمص ظاهرة الاختطاف المنتشرة في الأحياء الموالية، وأشار الحمصي إلى أن آخر ضحاياها، السائق أيمن شقفوف، والذي كان يعمل في حي الزهراء الموالي، واختطف شباط الماضي من داخل الحي برفقة سيارته، وتم اصطحابه إلى منطقة مصياف في ريف حماة، ومن ثم تصفيته وسرقة ممتلكاته، بما فيها سيارته التي جزم الموالون أنها بيعت لتنظيم “الدولة”، من أجل استخدامها كمفخخة تضرب أحياءهم، وهذا ما زاد من غضب الموالين، في قضية أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما بعد كشف الفاعلين، وهم مهند وباسل دقية وماجد بدور، والذين لم تتم محاكمتهم وسط شكوك بتلاعب قيادات الأفرع الأمنية بالقضية، عبر دفع مبالغ مالية طائلة.

حوادث السير المتعمدة باتت حديث الشارع الموالي، والتي كان أحد ضحاياها رجلًا في عقده الثالث من العمر، توفي بعد أن صدمته سيارة من نوع “شيفروليه” خمرية اللون، ولاذ سائقها بالفرار، كما أن إحدى النساء التي أوشكت أن تكون ضحية حادث آخر، وهي رانيا جوزيف، والتي قالت في منشور عبر “فيسبوك”، إنها تعرضت لمحاولة صدم بسيارة بيضاء أمنية (مفيمة)، كادت أن تودي بحياتها وحياة طفلة صغيرة.

تحول لافت في أسماء الأحياء الموالية في حمص، لوحظ تكرارها في منشورات في الصفحات المحلية عبر “فيسبوك”، وفقًا للحمصي، وأردف “لم تكن آلاف النداءات التي وجهت لمسؤولي النظام وأجهزته الأمنية كافية لتحريك ضمائرهم، فأعلن الموالون أن مناطقهم تحولت إلى شيكاغو (مدينة أمريكية اشتهرت بالجريمة) بعد سيل الجرائم التي طالت المنطقة، وفتكت بالنسيج الشعبي، والذي طالما ادعوا أنه متين وتظاهروا أنه كذلك، وهذا الذي لم يعيشوه بعد ولم نشاهده قط”.

إعفاء من العقاب مقابل القتال في صفوف النظام

الإعفاء عن الجرائم في المناطق الموالية بمحافظة حمص، أصبح بمثابة جائزة تشجع الموالين على البقاء في صفوف النظام، كما رصد الناشط الحقوقي وليد فارس، وصرح لعنب بلدي قائلًا “عند بدء الحراك الثوري، سمح النظام لشبيحته وأطلق أيديهم في عمليات القتل والتشبيح والاغتصاب، وإسقاط العقوبة عنهم مقابل القتال معه، وانتهج النظام سياسة غض الطرف عن هذا الأمر، من أجل تمويل الجماعات التي تقاتل معه، كما يحدث الآن في منطقة فيروزة الواقعة شرق حمص، حيث يقوم شبيحتها بخطف الفتيات مقابل المال”.

ولجأ النظام إلى الإفراج عن معتقلي الجرائم الجنائية والأخلاقية من سجونه، منذ مطلع الثورة، وزجهم للقتال في صفوف الميليشيات الدريفة، وأضاف فارس”هذه السياسة تجري حتى اللحظة، فعرض مؤخرًا على 100 معتقل جنائي في سجن حمص المركزي الخروج مقابل تسوية أوضاعهم والقتال في صفوف الدفاع الوطني”.

تسهيل النظام للجرائم في مناطقه، والمناطق التي يقتحمها، تأتي بهدف الحفاظ على مكتسباته، بحسب فارس، وتابع “يسعى النظام دومًا إلى خلق الشر في المناطق التي يسيطر عليها، والتي لا يستطيع السيطرة عليها أيضًا، فتسمح حواجز النظام بمرور المواد المخدرة إلى المناطق المحاصرة، كالحشيش والحبوب المخدرة، بهدف نشر الجريمة وإحداث الفوضى، في حين أنه يرفض دومًا إدخال الطعام وحليب الأطفال”.

يذكر أن فصائل المعارضة خسرت منطقة باب السباع في آذار 2012، بعد مجزرة كرم الزيتون الشهيرة، فيما خرج مقاتلو أحياء حمص القديمة منها في نيسان 2014، ويبقى حي الوعر في المدينة والريف الشمالي لها تحت سيطرة المعارضة السورية حتى اللحظة.

تابعنا على تويتر


Top