العدالة الانتقالية ومبدأ عدم الإفلات من العقاب في سوريا

socialjustice.jpg

د. حازم نهار

العدالة الانتقالية هي حجر الأساس لبناء نظام تعدّدي ديمقراطي يرسي دولة القانون والمؤسسات، وهي الضامن الرئيسي للقطع مع الماضي وتجنيب البلاد أيّ نزعة للانتقام أو التشفّي، فالمسألة تتجاوز مجرّد العدالة لتشمل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. إنها برنامج للتحول السلمي في مجتمع تعرض للاستبداد الشامل والتخريب الطائفي والعرقي والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان الى مجتمع تسوده الديمقراطية واحترام حقوق الانسان، من خلال عملية ازالة اثار حقبة الاستبداد واعادة التوازن داخل المجتمع، باعتبارها الدافع لتلاحم الجميع من أجل بناء الدولة الجديدة. إذ تؤدي تلك الانتهاكات الى فقدان التوازن داخل المجتمع، ولا يمكن البدء ببناء مجتمع جديد دون اعادة التوازن اليه عبر التعامل مع الماضي بواسطة اليات العدالة الانتقالية. وهذا التعاطي مع الماضي لا يعني بالتأكيد الانتقام أو الثار، بل إن هذه الظواهر لا تأتي إلا بسبب عدم معالجة الماضي وغض الطرف عن تحقيق العدالة.

استراتيجيات وآليات تحقيق العدالة الانتقالية

يهدف أي برنامج لتحقيق العدالة الانتقالية عادةً إلى وقف الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، التحقيق في الجرائم الماضية، تحديد المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبتهم، تعويض الضحايا، منع وقوع انتهاكات مستقبلية، الحفاظ على السلام الدائم، المصالحة الوطنية.

ولتحقيق هذه الأهداف يمكن اتباع الاستراتيجيات التالية، مع ملاحظة أن هذه الاسترتيجيات لا تعمل بصورة منفصلة عن بعضها البعض،  إنما تعمل وفق رؤية تكاملية فيما بينها:

1- المحاكمات والتحقيق في الجرائم بموجب القانون الدولي الملزم لكافة دول العالم ومحاسبة المسئولين عنها وفرض عقوبات عليهم، ولا يشترط أن يتم ذلك في محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية مثلاً، ولكن يمكن تطبيقها في محاكم محلية أو وطنية.

2- لجان الحقيقة وهي هيئات غير قضائية تجري تحقيقات بشأن الانتهاكات التي وقعت في الماضي القريب، وإصدار تقارير بشأن سبل معالجة الانتهاكات والترويج للمصالحة، وتعويض الضحايا، وتقديم مقترحات لمنع تكرر الانتهاكات مستقبلاً.

3- تعويض الضحايا وجبر الأضرار ويشمل ذلك التعويض المادي والمعنوي المباشر عن الأضرار ورد الاعتبار للضحايا، واستعادة ما فقد، إن أمكن.

4- الإصلاح المؤسسي، ويعتبر أحد الآليات التي تحتاجها البلدان الخارجة للتو من قمع الديكتاتوريات خاصة، وذلك عبر إصلاح المؤسسات التي لعبت دورًا في الانتهاكات (غالبًا المؤسسات العسكرية والشرطية والقضائية)، فضلاً عن تعديلات تشريعية وأحيانًا دستورية.

5- إقامة النُصُب التذكارية وإحياء الذاكرة الوطنية الجماعية كآلية لإحياء ذكرى الضحايا والتأكيد المستمر على عدم الوقوع في الأخطاء ذاتها مرة أخرى، ورفع مستوي الوعي الأخلاقي بشأن جرائم الماضي.

تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا بالاستفادة من التجارب العربية والعالمية

يختلف تطبيق العدالة الانتقالية من مجتمع لآخر تبعًا للظروف الخاصة، فقد يخلف سقوط الاستبداد أعدادًا هائلة من الضحايا وفسادًا كبيرًا في المؤسسات وأعدادًا كبيرة من مرتكبي الانتهاكات، أو قد يخلف تناحرًا طائفيًا أو قوميًا يحاول أن يضع الدفاع عن الضحايا أو الجناة من استراتيجيات الاهداف السياسية، أو قد ينجم عن سقوط الاستبداد ضعف المؤسسة القضائية أو نقص في القانون أو انعدام الامكانية المالية لتغطية تحقيق العدالة الانتقالية،، لكن فكرة العدالة الانتقالية تقوم على أساس تحقيق العدالة مهما كانت المصاعب والمبررات المذكورة اعلاه.

1- أهمية السياقات الوطنية في تحديد مسارات العدالة الانتقالية في كل بلد.

2- الترابط القوي بين العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي وأهمية توفر الإرادة السياسية؛ والتأكيد على أهمية النظر إلى العدالة الانتقالية ليس كآلية لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان فقط بل وكآلية للتغيير نحو الديمقراطية.

3- حيوية دور الفاعلين السياسيين في الانتقال إلى الديمقراطية بالمنطقة العربية.

4- مرتكزات العدالة الانتقالية المتمثلة في الكشف عن الحقيقة وجبر الضرر والمساءلة والمصالحة الوطنية وحفظ الذاكرة وعدم تكرار ما جرى…

5- أهمية دور الضحايا في إنجاح تجربة العدالة الانتقالية.

6- حيوية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجمعيات المدنية في صيرورة العدالة الانتقالية.

7- أهمية الحوار بين النخب والمكونات السياسية في المجتمع كخطوة نحو الانخراط في صيرورة العدالة الانتقالية. الدخول في حِـوار مع المجتمع، وخاصة من كانوا ضحية للنظام الاستبدادي السابق والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وضحايا الفساد، للتوصل إلى تحديد دقيق للمطالب والأولويات مع شرْح حقيقة استِـحالة تطبيق كل آليات العدالة الانتقالية في نفس الوقت وعلى وجه السرعة، بل سيستغرق تنفيذها سنوات.

8- يجب أن يُـدرك الشعب السوري أن تحقيق العدالة الانتقالية يمثِّـل عملية تدريجية تستغرِق سنوات. ولنتذكَّـر أنّ تنفيذ آليات العدالة الانتقالية في جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام التمييز العنصري، استغرق عدة سنوات. والمُـهمّ في تطبيق آليات العدالة الانتقالية، تحديد الآلية التي يراها المجتمع أولوية قصوى ثم التي تليها في الأهمية، بشرط أن يظلّ الباب مفتوحًا أمام استكمال كل الآليات اللازمة لتحقيق العدالة الانتقالية وضمان زوال أسباب انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي.

9- أهمية الإصلاح السريع لبنية وتركيبة ونظم الجهاز القضائي، ولمكونات وصلاحيات الأجهزة الأمنية والرقابة المدنية المفروضة على تلك الأجهزة خلال الفترة الانتقالية.

10- تشكيل لجنة المصالحة الوطنية التي يمكن أن يكون لها دور فاعل في تفكيك النظام القديم وإعادة الوئام والسلم ضمن المجتمع، خاصة في حال تحول النزاع الى مكونات المجتمع القومية أو الدينية أو الطائفية.

11- أهمية الوقوف ضد الدعوات التي تقول بحل حزب البعث الحاكم في سياق الدعوة لإسقاط النظام، لأن ذلك بمثابة إعادة تأسيس لمبدأ الحظر السياسي الذي طالما عانت منه مختلف الجماعات السياسية في سوريا! إنها استعادة لنفس القاموس الانغلاقي الذي قامت الثورات الجديدة لفتحه وكسره.

العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في سوريا

تشمل المصالحة الوطنية الإجراءات والعمليات التي تكون ضرورية لإعادة بناء الهوية الوطنية على أسس شرعية قانونية وديمقراطية في الوقت ذاته. ويمكن القول إن المصالحة الوطنية هي أحد أهداف العدالة الانتقالية، وتكتسي هذه العملية أهمية شديدة في بلد متعدد الإثنيات والطوائف كسورية، خاصة وأن النظام الاستبدادي قد عزز التحاجزات بين مكونات المجتمع السوري وجر طائفة بأكملها لتكون إلى جانبه نتيجة ما زرعه لديها طوال أربعين عامًا من خوف إزاء المكونات الأخرى في المجتمع. كما تكتسي أيضًا أهمية خاصة في سوريا بحكم التراكم الكبير للانتهاكات بحق السوريين أي انتهاكات نظام الأسد الأب ومن ثم نظام الأسد الإبن، وصولاً للانتهاكات الخطيرة منذ بداية الثورة السورية في مارس الماضي وحتى الآن.

 

تابعنا على تويتر


Top