أسئلة لمفكري المقاومة المدنية واللاعنف (الجزء الثاني)

هل بدأت مرحلة الدولة المدنية؟

23.jpg

حمزة رعد

لقد تم تبني الخيار السلمي في الثورة السورية من البداية للنتائج التي أثمرتها في بلاد أخرى ولكن اختلاف الظروف والبيئة أدّت إلى حالة من الانسداد وبالتالي البحث عن وسيلة وطريقة أخرى لتحقيق العدالة وإسقاط النظام كانت هي العنف.

يتم تشبيه الخيار السلمي بالثورة السورية بالمرحلة المكية في الدعوة النبوية، حيث كان النهي عن رد الفعل بالعنف في المجتمع المكي لعدم قوة المجموعة الإسلامية واشتداد شوكتها، وعدم حصول حرب أهلية بين الابن وأبيه والأخ وأخيه.

إن الهجرة النبوية ودخول الأنصار في الإسلام كان الحد الفاصل بين الدعوة والدولة وبين اللاعنف والعنف المبرر.

إن هذا المثال يقودنا إلى سؤال مهم ما هو الحد الفاصل بين العنف واللاعنف؟ وماذا لو تم اختصار إحدى المراحل والمضي إلى المرحلة الثانية قبل أوانها وبدون استعداد؟

إن الخيار السلمي واللاعنفي هو خيار الاستراتيجي الأفضل والأسلم منطقيًا وعلميًا، حيث تثبت الأرقام تفوق الخيار السلمي في القدرة على تحقيق الأهداف، سواء كانت إسقاط ديكتاتور أو إقامة دولة ديموقراطية والقدرة على تقليل الخسائر البشرية والمادية ومشاركة شريحة واسعة من المجتمع في العمل.

ولكن ماذا عن التعامل مع العنف في الفكر اللاعنفي، إذا كان قد تم الانخراط به وتبنيه من قبل شريحة واسعة من الشعب ولمدة طويلة نسبيًا.

الحد الفاصل بين العنف واللاعنف

إن القوة العسكرية والقدرة على السيطرة وحفظ الأمن وحماية حدود الدولة مطلب أساسي للأمن القومي لأي دولة كانت، حيث يخصص لها وزارتان أساسيتان في أي حكومة هما الداخلية والدفاع، تعنى الأولى بحفظ الأمن داخليًا وتتسم غالبًا بالعنف المخفف كونها تتعامل مع أبناء البلد الواحد وتتسم الثانية بالقوة والعنف المطلق كونها تتعامل مع عدو خارجي وحماية البلاد من الاحتلال الأجنبي.

إن التمييز بين هاتين الوظيفتين أساسي في النظرة إلى العنف وتقييمه.

حيث يحمد استخدام العنف في الجيش ووزارة الدفاع كونها رمز القوة والمؤسسة الوطنية الجامعة للشعب والحامية لشرفه ومكتسباته خاصة في العقل العربي، بل وتقترن قوة الجيش بحفظ السلام وقوة الردع عن الحرب (خاصة في العصر الحديث ومع تطور التكنولوجيا والأسلحة التدميرية القادرة على إفناء الجنس البشري على وجه الأرض أدركت القوى العالمية الخطر التدميري لأي حرب عالمية، خاصة بعد الحرب العالمية الاولى والثانية والتي أفنت الملايين من البشر، مما أدى إلى استحداث نظام دولي ومجتمع دولي يكون مرجعًا في القرارات الدولية وفض النزاعات والحروب، تمثل بداية بعصبة الأمم ثم بالأمم المتحدة).

لقد نجحت الثورة السلمية في مصر بسبب تبني الجيش ممثلة بوزارة الدفاع لمبدأ رفض العنف والانحياز للشعب مقابل قوى الأمن التي تغلب عليها الشعب المصري بالوسائل السلمية وخلق واقعًا جديدًا.

وقد نجحت الثورة التونسية بزمن قياس أكبر حيث انحازت من البداية قوى الأمن الممثلة بالداخلية وقوى الجيش الممثلة بوزارة الدفاع إلى الشعب ورفضت العنف ضده بكافة درجاته المخففة منها والمطلقة، أما في اليمن فقد تغلب الشعب على قوى الأمن وانحاز شطر الجيش للشعب فطالت المدة مدة إلى حين إعادة التوازن للجيش اليمني بتدخل خارجي و إعادة هيكلته.

أما في الثورة السورية فقد تغلب كذلك الشعب كالعادة على قوى الأمن الممثلة بالداخلية ولكنها وجدت نفسها في مواجهة مع الجيش السوري وجها لوجه الذي تسيطر عليه قبضة النظام (ممثلة بأجهزة المخابرات) مما أدى لانحياز الكفة للنظام وبالتالي ظهور جسم مواز للجيش هو الضباط الأحرار الذي تحول فيما بعد للجيش الحر، وقد تم تبرير الفكرة والترحيب بها من الشعب كونها نبعت من جزء لا يتجزأ من المجتمع السوري وهم العسكريين الذين رفضوا المواجهة مع الشعب وبالتالي انشقوا عن الجيش وكونوا جسمًا موازيًا له ثم ما لبثت الفكرة أن راجت للمدنيين فالتحقوا به وتركوا الخيار السلمي وراءهم، لقد كان الانشقاق عن الجيش جزءًا لا يتجزأ من العمل السلمي والذي تقوم أحد أركانه الأساسية على مبدأ اللاتعاون وعدم الطاعة والتي تترجم في الجيش بالانشقاق العسكري، لقد كان الخطأ الاستراتيجي للثورة السورية في حينه هو في تشكل هذا الجسم الموازي للجيش وتجاوز الانشقاق إلى القتال وحمل السلاح في عز الزمن السلمي وتصدره للمشهد ولعل لهذا التصرف ما يبرره أخلاقيًا واجتماعيًا وربما دينيًا ولكن على المستوى الاستراتيجي كانت لحظة تشكل الضباط الأحرار هو لحظة تحول مسار الثورة ومصيرها عما كانت عليه، ولكن وبعد انحياز عدد كبير من الشعب لهذه الاستراتيجية في العنف والمقاومة المشروعة عن النفس حدثت تغيرات هامة في المشهد وأسئلة جوهرية يجب على مفكري العمل السلمي واللاعنفي إعادة النظر فيها والإجابة عليها إذا أرادوا استعادة زمام القيادة وتوجيه بوصلة الثورة للمسار الصحيح.

تابعنا على تويتر


Top