فيدرالية محفوفة بالمخاطر

محمد رشدي شربجي

من الصعب فهم دوافع إعلان حزب الاتحاد الديموقراطي الفيدرالية في المناطق الكردية، فالمشهد السوري تحكمه اليوم ديناميكيات معقدة صعبة التفسير والتنبؤ. وليس عجبًا أن سوريا أثبتت خلال خمس سنوات أنها أكبر مقبرة جماعية في العالم للتحليلات السياسية، ويمكن للمتابع للمراكز البحثية العالمية أن يلحظ الحيرة، والخجل أحيانًا، الذي يعتري الخبراء أثناء تعاطيهم مع الشأن السوري.

نظريًا هناك فرق كبير بين “الإدارة الذاتية” و“الفيدرالية”، فالفيدرالية تمنح استقلالية “شبه تامة” للأقاليم في إدارة شؤونهم الخاصة ماليًا وتنظيميًا وتمثيليًا، في حين تبقى وزارة الدفاع ووزارة الخارجية من اختصاص الحكومة المركزية، وغالبًا ما نشأت اقتراحات الحكم الذاتي والفيدرالية خاصة في عالم ما بعد الاستعمار، بحسب الفيلسوف الكندي ويل كمليكيا، لتجاوز سيناريوهات الانفصال، كما بات ينظر أكثر فأكثر عالميًا إلى الأنظمة القومية المركزية، التي شاعت بعد الحرب العالمية اللأولى، كأنظمة متخلفة عن عصر الهويات، الذي أنتجه عالم ما بعد الحداثة، بحسب تعبير الفيلسوف مارسيل غوشيه.

تختلف التجارب الفيدرالية بين بعضها كثيرًا أو قليلًا، ومن السذاجة ذكر سويسرا وأمريكا والإمارت كنماذج فيدرالية ناجحة، في حين تهمل نماذج أقرب لحالتنا كأثيوبيا طالما أن المطروح هو فيدرالية طائفية عرقية، إذ تفتح الفيدرالية الشهية للانفصال بدل دفعه بعيدًا. وبكل الأحوال لن يشكل الإعلان الأخير إضافة للواقع القائم حاليًا الممثل بالإدارة الذاتية “الديموقراطية”، المعلنة من طرف واحد من قبل الحزب نفسه، منذ تشرين الثاني 2013.

على مدى القرن الماضي، شكلت القضية الكردية مجال اتفاق وابتزاز بين الدول الإقليمية والعالمية، ودائمًا ما كانت هذه الدول تدعم الكرد في الدول المجاورة للتفاوض عليهم في ملفات أخرى. لا ينسى أكراد العراق اتفاق الجزائر 1975 بين العراق وإيران برعاية أمريكية، والذي أنهى عمليًا ثورة أيلول الكردية، كما لا ينسى أكراد إيران خذلان الاتحاد السوفييتي لدولة مهاباد 1946، وليس عنا ببعيد تسليم حافظ الأسد لعبد الله أوجلان بعد تهديد تركي صريح.

ليس الأكراد كذلك كلًا واحدًا، وقد انقسموا في ولائهم، كما هو حال باقي الشعوب في المنطقة، بين روسيا وأمريكا، أو بين تركيا وإيران، وتتميز الساحة السياسية الكردية السورية أنها انقسمت على المستوى الأدنى، بين الولاء لأكراد العراق أو لأكراد تركيا، ويدرك القارئ في التجربة السياسية الكردية في سوريا أن الانقسامات السياسية التي ميزت التجربة غالبًا ما كانت صدى لانقسامات الأحزاب الكردية العراقية، كما كان تأسيس حزب الاتحاد الديموقراطي بإشراف حزب العمال الكردستاني.

يشكل الخوف من الإقليم الكردي الناشئ نقطة اتفاق إيرانية تركية، ولا يمكن فهم الزيارة التركية إلى إيران إلا في هذا السياق، كما تدرك الدولتان أن سوريا فيدرالية قد تعني في النهاية “فدرلة” كليهما، وقد يكون الخوف من التقارب الإيراني- التركي هو ما دفع الأكراد للإعلان بهذه الطريقة العجولة.

تبقى قدرة الإقليم المعلن على الصمود موضع شك كبير، فاقتصاديًا تتعرض المنطقة الشرقية، المهمشة أصلًا في عهد الأسد، لموجات جفاف هي الأقسى منذ ألف عام، كما لا تشكل الموارد الطبيعية رقمًا يذكر مقارنة بعدد السكان، وفي ظل غياب منفذ بحري سيكون الاستيراد والتصدير حكمًا عبر العرب أو الأتراك وهي بيئات معادية حاليًا. وقد تبدو هذه مشاكل يمكن التعامل معها مقارنة بمشاكل التعامل مع كتلة سكانية عربية لا تقل عن النصف.

وسيبقى في النهاية موقف النظام السوري حاسمًا في إمكانية نجاح هذا الإقليم، فمازالت مقراته موجودة في كل المناطق الكردية، إضافة إلى امتلاكه علاقات قوية مع المكونات العربية التي يعتمد عليها حزب الاتحاد الديموقراطي.

ستكون هذه الفيدرالية محفوفة بالمخاطر من كل جانب، وهي بالتأكيد مغامرة أشبه بالانتحار ولكنها باحتمالات مجهرية قد تنتج كيانًا متماسكًا يستفيد منه الأكراد وباقي سكان الإقليم، وحتى ذلك الحين ستبقى من المفارقات العجيبة أن يعرف السوريون أنفسهم كطوائف وأعراق في سوريا، ثم يعرفوا أنفسهم كسوريين في دوائر اللجوء في أوروبا.

تابعنا على تويتر


Top